كثيرون مثلي لاحظوا أن الشأن العراقي يحتل المساحة الأكبر في خطابات الرئيس الأمريكي جورج بوش التي يصر فيها على ترديد مقولات لم يعد يصدقها أحد غيره وغير المحافظين الجدد. والمفارقة هنا أن الرئيس بوش يصر على ترديد تلك المقولات والتشبث بها على الرغم من تناقضها الصارخ مع ما يحدث فعلياً على أرض الواقع، مثل أن العراق أصبح بعد الغزو الأمريكي أفضل مما كان عليه قبل الغزو، وأنه أصبح ينعم بالحرية والديمقراطية، وأن الولايات المتحدة أصبحت أكثر أمناً بعد تلك الحرب.
ورغم تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية في العراق بشكل غير مسبوق، إلا أن بوش لا يزال يصر على الظهور بمظهر المسيطر على زمام الأمور، وأن القوات الأمريكية حققت، ولا تزال تحقق أهدافها في العراق!
المفارقة ليست في أن الرئيس الأمريكي لا يزال يردد هذه المقولات على الرغم من التقارير الصادرة تباعاً التي تدحضها جملة وتفصيلاً، وحيث أكد أحدث تلك التقارير -وهو التقرير الذي أصدرته 16 مؤسسة استخباراتية أمريكية بأن تلك الحرب أدت إلى وضع الولايات المتحدة في حالة الاستهداف الدائم وعلى مساحة واسعة من العالم، جيشاً ومؤسسات وحتى أفراداً- على العكس تماماً، وإنما لأن بوش لا يكاد يفعل شيئاً يُذكر لوقف نزيف الحرب الذي لم يعد يقتصر على الدماء العراقية فقط، وإنما أيضاً على الدماء الأمريكية التي أضحت تزداد غزارة يوماً بعد يوم، وحيث تخطى عدد القتلى الأمريكيين في العراق في شهر أكتوبر الماضي حاجز المائة قتيل مما يعني أن تلك الحرب تسير من السيئ إلى

الأجدى لأمريكا إنفاق 500 مليار دولار على
محاربة الفقر عن إهدارها بحرب العراق

الأسوأ، وأن مرور أكثر من ثلاث سنوات على الوجود العسكري الأمريكي في العراق، ونجاح القوات الأمريكية في قتل نجلي صدام حسين وإلقاء القبض عليه وعلى (رفاقه)، ثم نجاحها في قتل أبومصعب الزرقاوي، ذلك كله لم يضع نهاية لدوامة العنف في أرض الرافدين، وإنما زادها عنفاً.
ولعل الكثيرين مثلي لاحظوا أن حالة التخبط تشكل السمة الرئيسة في الاستراتيجية الأمريكية العسكرية والأمنية في العراق، إلى جانب ما تتسم به تلك الاستراتيجية من سمات أخرى كثيرة تشكل في مجموعها الأسباب الحقيقية وراء فشل تلك الاستراتيجية، مثل الافتقار إلى الوضوح، وعدم الثبات، والتسرع في اتخاذ القرارات غير المدروسة بعناية.
الدلائل على التخبط في السياسة الأمريكية إزاء العراق أكثر من أن تعد أو تُحصى، ولعل أهمها وأحدثها هو تقرير «لجنة بيكر» الذي أوصت فيه بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم، ثم تحذير الرئيس بوش عقب صدور التقرير مباشرة من «فوضى أكبر» في العراق إذا ما قسّم إلى ثلاث مناطق سنية وشيعية وكردية تتمتع بالحكم الذاتي، وقوله بأن التقسيم من شأنه أن يجعل السنة والدول السنية والمتطرفين السنة يتناحرون مع المتطرفين الشيعة، «بل إن الأكراد سيخلقون مشاكل مع تركيا وسوريا».
كما أن رفض الرئيس بوش القاطع لأي تشبيه بالحرب الأمريكية في العراق للحرب الفيتنامية على مدى السنوات الثلاث الماضية، ثم اعترافه مؤخراً بتشابه الحربين -عندما أكد على أن بلاده تواجه وضعاً صعباً كما كان الوضع في حرب فيتنام عام 1968، وأن الحل العسكري لن ينهي وحده العنف في العراق- يقدم دليلاً آخر على أن إدارة بوش فقدت بوصلتها في العراق.
التخبط في السياسة الأمريكية في العراق اتخذ مظهراً خطيراً في الآونة الأخيرة بالخلاف بين الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء العراق نوري المالكي على إثر مطالبة بوش لحكومة المالكي بتحديد مهلة مدتها عام لتهدئة الأوضاع في العراق لأن «للصبر حدوداً»!، ومسارعة المالكي إلى رفض هذا التحذير، وذلك بعد يوم واحد من توجيهه انتقاداً لاذعاً للإدارة الأمريكية لشنها هجوماً على مدينة الصدر دون إحاطته علماً بذلك، وبعد تردد الحديث حول الإعداد لانقلاب على حكومة المالكي التي يبدو من الواضح أنها لا تحوز على رضا تلك الإدارة.
استراتيجية «الاستمرار في النهج الحالي» التي يصر الأمريكيون على تطبيقها في العراق، والتي تثبت فشلها يوماً بعد يوم، هذه الاستراتيجية تجعل من الصعب تحديد رؤية واضحة لمستقبل العراق، وتطرح -في الوقت ذاته- السؤال: لماذا تصر الولايات المتحدة على الاستمرار في فشلها في العراق وفي استعداء العالم لها من خلال سياساتها الخاطئة واستراتيجياتها الفاشلة؟.. أَوَ لم يكن من الأجدى لتلك الإدارة لو أنها أنفقت ما أنفقته على حربها في العراق (قرابة الخمسمائة مليار دولار حتى الآن) على دعم اقتصاديات الدول الفقيرة واستبدال الحروب الاستباقية بمعارك كسب العقول والقلوب من خلال خطوات وبرامج عملية مثل التنازل عن ديون الدول الفقيرة ودعم برامجها الإنمائية وليس من خلال إنشاء محطات إذاعية وفضائية دعائية، وذلك بعد أن أثبتت الحروب الاستباقية في أفغانستان والعراق فشلها، خاصة في ظل النتائج التي ترتبت عليها لجهة ما أسفرت عنه من زيادة حدة التطرف واتساع دوائر الإرهاب حول العالم.