أفق آخر
الفكرة.. فكرتان!
يبدو أن إشكالية العرب الحقيقية، هي إشكالية فكرية أولا،وعجز فاضح؛ ليس بالأموال أو الوسائل؛إنما بالأفكار. فالأفكار هي المحرك الرئيس لكثير من مشاريع التنوير والاستنهاض، بل هي وقود التحولات الكبرى في الميادين الاجتماعية والسياسية والفكرية.
والفكرة فكرتان، فكرة إيجابية، للاستنهاض والإصلاح، وفكرة سلبية للتثبيط والتجميد، وبالتالي الترهل والتراجع فالفناء والتلاشي. يقول مالك بن نبي: المجتمع المتخلف يتجلى في طريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه،وعجزه عن إيجاد غيرها، وعلى الأخص أسلوبه في طرح مشاكله من عدم طرحها على الإطلاق. مما يعني أن مؤشرات اتجاه المجتمعات ومستقبلها تقاس في اتجاه مسار أفكارها إلى الأمام أو إلى الخلف، ومعدل مواليد الأفكار(البيضاء) وتداولها في سوق المعلومات، ونسبة وفيات الأفكار (السوداء) القاتلة.
إشكالية كثير من الدول العربية هي عدم وجود برامج ومشاريع وطنية تشكل رؤية متكاملة للوطن والأمة خلال العقود القادمة، تنخرط من خلالها كافة الجهود السياسية والاقتصادية والفكرية، وعندما يكون هناك فراغ في الحيز الفكري للمجتمع فإن الفائض الفكري للمجتمعات والدول الأخرى ينساب تدريجيا لسد النقص والحاجة، أو تتشكل محليا سوق سوداء للأفكار، تقتات على نفايات الأفكار، ومزابل التاريخ.
والرؤية الإستراتيجية للأوطان، يجب أن تكون نتاج عقل جمعي، فالاستراتيجيات لا ينتجها شخص، أو حتى موظفون، إنما هي خلاصة مخرجات علماء ومفكرين ومبدعين، وخزانات التفكر ومراكز الدراسات. بعض المسؤولين العرب في الميادين السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية لا يستطيعون بدقة تحديد أهدافهم المؤسساتية، التي يسعون لتحقيقها، ويعملون من أجلها، عدا تبريرات وجمل عمومية مفتوحة، أقرب إلى حديث المجالس منها إلى استراتيجيات حكومية مدروسة ومتماسكة، فأصبح الركض اليومي للمسؤول العربي أحيانا دون أهداف يمكن قياسها، وبالتالي تقييمها، فيتم تقديم المهام والوظائف على الأهداف والسياسات .
كما أن القوة والضعف في المجتمعات والدول ليسا مطلقين، بمعنى أنه قد يمتلك المجتمع أو الدولة أدوات ووسائل القوة إلا أنها لاتستطيع توظيفها أو استثمارها، بسبب تقديم المصالح الشخصية والإقليمية والمناطقية على المصالح الوطنية، وتداخل الشخصي بالمؤسسي،وهنا يبرز الفرق الهام بين القوة والفاعلية، حيث تعني الأخيرة التعرف على عناصر القوة (أفكار، أشخاص، مواد) وحشدها وتوظيفها، بينما قد يكون الآخرون أقوياء ولكن ليسوا فاعلين.. وبالتالي ضعفاء بالمعنى الاستراتيجي.
أضف تعليقك