دار حديث بين مجموعة من الأصدقاء الأكاديميين حول نشأة وتطور التعليم العالي في بلادنا. وتطرق الأمر إلى عمل مقارنة التعليم الجامعي عند بدايته مع مستواه الحالي، مع الأخذ في الاعتبار الفترة الزمنية التي انقضت، وهل كان التطور في مستوى التعليم العالي متناسباً مع الفترة الزمنية التي استغرقها، ومع التطور التقني في الوسائل التعليمية وتقنية المعلومات التي شهدتها نفس تلك الفترة الزمنية، ومع ما صرف عليه من أموال طائلة في بلادنا. وأشاد الجميع بحق بالإنجازات الهائلة التي حققتها وزارة التعليم العالي في نشر الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في جميع مناطق المملكة.
وامتد الحديث إلى نقطة هامة، وهي مقارنة المستوى العلمي لجامعاتنا مع المستوى العلمي للجامعات الأوروبية والأمريكية وبعض الدول الآسيوية والعربية. وبالطبع كان لابد من وضع إطار زمني لهذه المقارنة، فليس من الإنصاف مقارنة جامعاتنا بجامعات أوروبية مضى على تأسيسها بضعة قرون، أو بجامعات أمريكية أسست قبل ما يتراوح بين قرنين وأربعة قرون من الزمن. فتلك جامعات تعلمت كثيراً من تجاربها ومسيرتها العلمية، ولديها كنزٌ من الخبرة والمعلومات للتعرف على مواقع القوة ونقاط الضعف في برنامجها العلمي وفلسفتها التعليمية.
وبالطبع طرح السؤال البديهي، لماذا إذن لانستفيد نحن من تجارب الذين سبقونا واكتسبوا الخبرة وأبدوا تفوقاً واضحاً في هذا المجال؟ لماذا لانعترف بأن نظامهم العلمي قوي وتجربتهم التعليمية متفوقة وتستحق المحاكاة والتعلم منها؟ فهذه دول تفوقت كثيراً وتقدمت تقدماً شاسعاً في مجال التعليم العالي والمهني، وظهر ذلك واضحاً في إبداع ورقي مجتمعاتها في شتى الميادين العلمية والصناعية

تتطور الشعوب وترتقي بالانفتاح على آفاق
المستقبل عن طريق العلم والاحتكاك والخبرة

والتقنية والحضارية.
وبالتالي تطور السؤال إلى ماذا لو فتحنا المجال لبعض الجامعات المعروفة في الغرب وفي بعض دول آسيا مثل ماليزيا واليابان لإنشاء فروع لها في مدن المملكة؟ وكنت شخصياً أحد المؤيدين لهذه الفكرة وقد طرحتها سابقاً قبل عدة أعوام في مقال. وإتفق الجمع على أنه ليس هناك أي ضرر في السماح لهذه الجامعات بتأسيس فروع لها في بلادنا «إن وافقت هي على ذلك». بل سيكون هذا مكسباً كبيراً للوطن وأجياله، إذ ستقوم في وسط مجتمعنا وأمام أعيننا مؤسسات علمية قوية وذات تجربة عريقة في مجال العلم والتعليم المتميز.
بالطبع لابد من أخذ الاحتياط والاعتراف بوجود بعض الأمور السلبية يجب التنبه لها ومواجهتها بحكمة، ولكن هكذا هي طبيعة الأمور دائماً. فمثلاً، لايجب أن تصبح هذه الفروع مجرد صورة مشوهة من الأصل، بل يجب أن تخضع لنفس المعايير العلمية والمستوى التعليمي للجامعة الأم في بلادها. وهذا هو مايجب أن تصر عليه بالطبع وزارة التعليم العالي وتراقبه وتتأكد منه.
فهذه المؤسسات التعليمية، سواء قامت بتأسيس فروعها لدينا بالمشاركة مع بعض المستثمرين من القطاع الخاص المهتمين بشؤون التعليم العالي أم جاءت بنفسها طواعية دون مشاركة محلية، ستكون في نهاية الأمر تحت إشراف أو تقويم الوزارة المختصة، وهي وزارة التعليم العالي.
وبالطبع لابد من تجنب أن تتحول هذه الفروع إلى تجمعات خاصة لأبناء الأثرياء فقط الذين يستطيعون تحمل تكلفتها ومصاريفها المرتفعة. فمن الضروري تطبيق الطرق والوسائل التي تتيح الانضمام إلى هذه المؤسسات المتميزة لأكبر عدد ممكن من الطلبة من ذوي الدخول المتوسطة أو المحدودة أيضاً، مثل أن تعطى منح دراسية من قبل الجامعة نفسها للمتفوقين علمياً، او ان تقوم وزارة التعليم العالي وبعض الشركات الكبيرة بوضع برامج مساعدات مالية للطلبة الواعدين والمتفوقين (sponsorship) او على صورة ابتعاث داخلي للانضمام لهذه الجامعات المتميزة.
كذلك يجب التأكد من أن المناهج الفلسفية العلمية والحرية الأكاديمية المتاحة لهذه المؤسسات العلمية لا تتعارض مع عقيدتنا وتعاليم ديننا، وذلك عن طريق مجلس أمناء واع وحكيم يشارك فيه شخص واحد على الأقل من الأساتذة الأكاديميين الوطنيين المعروفين بخبرتهم وحكمتهم في المملكة.
وكما أن هناك دائماً بعض الأمور السلبية التي يجب دراستها وتصحيحها أثناء التطبيق، هناك أيضاً الكثير من الأمور الإيجابية التي ستتضح لنا بالتجربة والتي يمكن تطويرها إلى الأفضل مع اكتساب المزيد من الخبرة. وإذا نظرنا إلى هذه الفكرة بموضوعية وتجرد فسنكتشف في الواقع أن الإيجابيات تفوق السلبيات بكثير.
لم تتطور الشعوب وترقى بالتقوقع والمبالغة في الخصوصية، وإنما بالانفتاح على آفاق المستقبل عن طريق العلم والاحتكاك والخبرة وأخذ المبادرات الصعبة.
وأود أن أشير أخيراً إلى جامعة الملك عبدالله التي بدأ العمل على إنشائها في مدينة الملك عبدالله برابغ. فقد أسندت مهمة إنشائها إلى شركة أرامكو، وهي خطوة رائدة ومستنيرة. إلا أنني أتمنى أن يتم فوراً الاتفاق مع جامعة غربية أو أمريكية عريقة ومعروفة عالمياً لعمل وثيقة تعاون وارتباط علمي (ASSOCIATION) بينها وبين جامعة الملك عبدالله ، لكي تقف هذه الجامعة الوليدة منذ نشأتها على أسس علمية قوية وراسخة ولتصبح صرحاً متميزاً للتعليم المتفوق في بلادنا، قدوة للجامعات الأخرى.