لام البعض تسرعي بتحريم الاستنساخ لمن حُرم الولد وقالوا إنه بالإرضاع يمكن إزالة هذه الحُرمة، وحتى هذه لا تجوز لأن المحرم أصلاً لا يزال بالرضاع. وذلك لأن منافع الرحم أصلها للزوج بمقتضى العقد فلا يجوز لأحد غيره الانتفاع بالبضع فهو من اختصاص الزوج وأخذ خلية من الزوجة أو من الزوج وحقنها داخل رحم الزوجة معناه استخدام رحم هذه الزوجة من قبل شخص من غير المعقود عليه. وهذا محرم شرعاً. إن الاستنساخ لا يكون إلا من خلية تؤخذ من نفس الشخص ولو أخذ حيوان منوي من الزوج وبويضة من الزوجة وتمت معالجتهما وزُرعت في رحم المرأة فإن هذا لا يعتبر استنساخاً.
القضية الثانية التي وردت في محاضرة السيد فدعق قوله بضرورة فرض تشريعات للاستفادة من أعضاء الموتى. هذه المسألة قديمة وهي محل خلاف بين الفقهاء جالت أنظارهم فيها بين الجواز والمنع والقبول والكراهية، فالله عزّ وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم معزّزاً مكرّماً في ذاته فلا يجوز الاعتداء عليه لأن لجسمه حرمة حياً وميتاً إلا بشروط وضعها الشارع الكريم مثل قاتل النفس والمحارب لدين الله والمفسد في الأرض والحرابة.
أخرج أبو داود في سننه وأحمد في مسنده والسيوطي في الجامع الصغير عن النبي أنه قال: « كسر عظم الميت ككسره حياً». إن الإنسان لا يملك نفسه فهو ملك لله، فليس له ولا حق له أن يقتل نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه وهو إن فعل ذلك فإنه آثم بإجماع الفقهاء وعليه عقوبة حتى وإن كان ذلك بإذنه بأن قال لآخر أقتلني أو اقطع عضواً من أعضائي. هنا أوجب

عمل الطبيب في جسد الإنسان مشروط
بموافقته والحفاظ على صحته

المالكية القصاص وأوجب الحنيفية الدية وقد أسقطوا القود بشق الأذن ومنهم من أسقطها وجعلها هدراً لا قود ولا دية مثل الشافعية والحنابلة.
إن عمل الطبيب في جسد الإنسان لا يصح إلا إذا كان هناك إذن من المريض وهو مشروط بأن يبتغي الطبيب صيانة الإنسان والحفاظ على صحته وعلاج مرضه فحفظ النفس من مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية وقد أحاطته الشريعة بكل ما يمنع النيل منه وهو مما علم من الدين بالضرورة فيحرم على الإنسان قتل نفسه أو قطع عضو منه كما يحرم عليه إباحته شيئاً من ذلك لغيره. يقول الإمام القرافي « وحرم الله القتل والجرح صوناً لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يُعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه..» وقد ذهب ابن حزم أبعد من ذلك فأوجب القصاص على من جرح ميتاً أو كسر عظمه لعموم آيات القصاص. وأجدني مع هذا الرأي الإسلامي في تعظيم أمر الإنسان وأن حياته هي ملك لله وليس لأحد أن يتصرف في هذا الحق. وأعتقد أننا نحن كمسلمين مأجورون في مرضنا إن صبرنا واحتسبنا، لنا فلسفتنا الخاصة بنا وأن ما في المسلم من مرض الموت هو رحمة له وتخفيف عنه. بل إن الشوكة يشاكها المسلم له فيها خير وأجر كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام.
فليس كل ما يصلح لغيرنا ويطبَّق لديهم يكون نافعاً لنا ، فالروح من أمر ربي وهو عزّ وجل مسؤول عنها ولكل أجل كتاب. أما نزع أعضاء الإنسان والتمثيل به وتشويهه بحجة أنه ميئوس من شفائه وغيره يحتاج إلى أحد هذه الأعضاء ليعيش فلا أُؤمن بهذا الرأي واعتبره من سقط القول إلا في حالة واحدة فقط مبنية على فتوى صادرة من المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة في عام 1405هـ بأنه يجوز نقل عضو أو جزء من عضو من إنسان حي متبرع لوضعه في جسم إنسان آخر حي آخر وذلك للضرورة وأن لا يترتب على اقتطاعه ضرر للمتبرع وأن يكون ذلك مفيداً لمن ينقل إليه في غالب ظن الطبيب تتفق هذه الفتوى مع مضمون قرار هيئة كبار العلماء رقم (99)، متفقاً مع من يؤكّد على حُرمة نقل عضو تتوقف عليه الحياة مثل القلب أو عضو يعطل وظيفة أساسية في حياة الإنسان أو فيه تشويه وتمثيل به مثل نزع إحدى عينيه أو فتح صدره وبطنه لأخذ بعض أعضائه.. رغم أن بعض الفقهاء اعتبر أن هذا النقل من أعمال البر لأن فيه إنقاذاً لحياة إنسان آخر ! يقول الحق «ولقد كرّمنا بني آدم».
كما أن من الأمانات أمانة النفس والدماء وهي أول ما يقضى به يوم القيامة لعظمة حرمتها وجسامة خطرها حتى أعضاء الإنسان أوجب الله فيها الدية كاملة إن كان العضو واحداً لا يتعدد مثله في البدن وأورد الكسائي في «الصنائع» سبب وجوب الدية في الجناية على الأعضاء بقوله وأما سبب وجوب الدية كاملة فهو تفويت المنفعة المقصودة في العضو على الكمال مكرراً قول الإمام القرافي أن الله سبحانه حرم القتل والجرم صوناً لمهجة الإنسان وأعضائه ومنافعها ولو رضي العبد باسقاط حقه في ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ اسقاطه، ومن كتب الله عليه المرض فليرض بحكم الله ويصبر فهذه إرادته ومشيئته في خلقه.
فاكس/ 6975040
najeeb@yamanie.com