هل حان الوقت لتعديل استراتيجيتنا لمكافحة مرض الإيدز، أو، فلنقل، أسلوبنا في التعامل مع هذا الوباء؟ لاشك عندي في ذلك، بل إننا تأخرنا كثيراً في إجراء تعديلات أصبحت ملحة وضرورية في ضوء المستجدات التي طرأت على المرض، وخاصة توفر العلاجات الفعالة له. أما الداعي لتغيير الاستراتيجية فهو أن وضع المرض في بلادنا لا يزال يراوح مكانه إن لم يكن يزداد سوءاً تدريجياً وبصورة غير ملحوظة بينما تزداد فرص السيطرة على المرض بصفة عامة في بعض دول العالم بشكل كبير. ما هي أوجه النقص في الاستراتيجية الحالية وما التعديلات المطلوبة؟ سوف أذكر عدة محاور متعلقة بذلك.
المحور الأول: السرية والخصوصية في الكشف عن المرض والتعامل مع المصاب. كانت أنظمة وزارة الصحة، وحسب علمي مازالت، تقتضي من المستشفيات والمختبرات التي تقوم بإجراء اختبار الإيدز أن تقوم بتسجيل رقم الهوية ونوع الجنسية لكل من يتقدم بطلب الفحص لسبب أو آخر مع إرسال بيانات بالنتائج المتحصل عليها إلى الإدارة الصحية. طبعاً هذا الإجراء يلغي السرية والخصوصية، وهذا الإجراء يثني الكثيرين عن التقدم للفحص إلا عند الضرورات القصوى، مثل طلب التوظيف أو التبرع بالدم أو الخضوع لجراحة، أو تجديد الإقامة (للوافدين). المشاكل الكثيرة المحتملة التي تتبع ظهور نتيجة إيجابية، مثل الوصم الشديد عائلياً واجتماعياً أو فقدان العمل أو الطلاق أو الترحيل السريع إلى الخارج بالنسبة لغير المواطنين، كلها تشكّل عوامل قوية لتجنب إجراء اختبار الإيدز قدر الإمكان، وبما أن نسبة كبيرة، قد تصل إلى 90%، من المصابين لا يكونون عارفين بإصابتهم لعدة سنوات من الإصابة، ولا يتسنى التعرف على هؤلاء إلا بالفحص المخبري، فإنهم يبقون دون علاج ويُساهمون في انتقال الوباء إلى غيرهم ومن ثم استمرار تفشّيه في المجتمع. التصريح الأخير لمعالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع (عكاظ 21 شوال 1427هـ) عن عزم الوزارة تخصيص عيادات مُحاطة بسرية تامة ومزودة بخطوط ساخنة وأطباء مختصين للرد على استفسارات المواطنين والمقيمين وللكشف الطوعي عن الإصابة، وذلك خلال الحملة الوطنية الكبيرة المخطط لها خلال موسم الحج القادم، يُمثل نقطة مهمة في أسلوب التعامل مع المرض. ولكن حبذا لو تم بالتزامن مع هذه الحملة قيام الوزارة بالسماح لكافة المستشفيات والمختبرات بإلغاء

من الضروري والملح تعديل استراتيجية
مكافحة الإيدز مع المستجدات العالمية

متطلب إثبات الهوية والجنسية للراغبين في فحص أنفسهم، وبذلك يتم تطبيق أسلوب السرية بصفة دائمة وعلى مدار العام وليس فقط أثناء الحملة القادمة. ولاشك أن ذلك سينعكس على تشجيع الفحص التطوعي للمرض بصورة واسعة، ومما تجدر الإشارة إليه هنا التوجه العالمي الى توسعة نطاق فحص الإيدز بصفة كبيرة للتعرف على أكبر عدد من الحاملين للفيروس وخاصة أولئك الذين يبقى لديهم المرض كامناً دون ظهور أعراض تستدعي العلاج. كما تجدر الإشارة أيضاً إلى بدء الترخيص في بعض الدول لاختبارات سهلة لفحص الإيدز، تشبه الفحص المنزلي للسكر، يمكن للمريض إجراؤها بنفسه في المنزل، وتقترب في دقتها وحساسيتها من الطرق التقليدية التي تجرى في المختبرات، وإن كانت هذه الاختبارات السهلة تتطلب التأكيد بالطرق التقليدية. وقد أخذت بعض هذه الاختبارات تباع عندنا في بعض الصيدليات. وإذا كانت هذه الاختبارات متاحة للمريض لكي يفحص نفسه دون علم أحد، فمن الأولى أن يتم تعميم أسلوب السرية التامة والخصوصية على كل المراكز الطبية المتخصصة في فحص الإيدز.
المحور الثاني: توسعة قاعدة علاج الإيدز، كان علاج الإيدز، منذ بداية المرض ولسنوات طويلة، أمراً صعباً ومكلفاً ولذا كان مقتصراً على مستشفيات معينة قليلة في بلادنا، بل كان العلاج محدوداً، حتى على مستوى العالم، ومقتصراً بصورة أساسية على الدول الغنية، وكان ذلك الوضع متوقعاً بسبب الغلاء الفاحش للعلاج وندرته في تلك الفترة أو قلة فاعليته في كثير من الأحيان، وعندما تم تطوير العلاجات الفعالة التي تشمل عادة ثلاثة أنواع مختلفة من مضادات الفيروس، وتبع ذلك قيام المبادرات العالمية لتخفيض سعر أدوية الإيدز بنسبة كبيرة وتوفيرها لجميع المصابين في العالم، قامت وزارة الصحة عندنا، مشكورة، بتوفير كل الأنواع الأساسية المستخدمة من هذه الأدوية بصورة كافية للمرضى من المواطنين، كما قامت بإنشاء وحدات مخصصة لعلاجهم في مستشفيات معينة في المناطق الوسطى والشرقية والغربية، ويقوم مستشفى الملك سعود في جدة، مثلاً، بتقديم العلاج الكامل والفحوصات اللازمة لمتابعة فعالية العلاج للمواطنين المصابين من جميع المناطق الواقعة على الساحل الغربي، وكذلك يقوم هذا المستشفى بتقديم علاج مبدئي للوافدين المصابين إلى حين عودتهم إلى بلادهم، ويعتبر تحمل وزارة الصحة لتكاليف العلاج، الذي يستمر مدى الحياة، لجميع المرضى أمراً جيداً خاصة عندما كان المرض فتاكاً وكان المريض مُعرضاً للعزلة والتوقف عن العمل. كل ذلك تغير بسبب توفر العلاجات الفعالة التي تسمح بالعلاج الخارجي دون الحاجة إلى تنويم المريض بالمستشفى كما تسمح للمريض بالاستمرار في حياته ومزاولة عمله بصورة اعتيادية. ألا يتطلب ذلك توسعة قاعدة العلاج بصفة كبيرة بحيث يصبح متيسراً في كل المراكز الطبية المؤهلة لتقديمه في جميع المدن؟ أعتقد أن مثل هذا التوسع سوف تخدم المواطنين كثيراً بحيث لا يضطرون إلى مغادرة منازلهم أو أماكن إقامتهم إلا عند الضرورة القصوى أو استفحال أعراض المرض. ولاشك أن سهولة تلقي العلاج وإتاحته في أماكن مختلفة ومناطق متعددة سوف يخدم المرضى بصورة كبيرة وتقلل معاناتهم، وربما، في الوقت نفسه ستخفض تكاليف السفر التي تتحملها الدولة، ومن الممكن أن يتم توفير الدواء من قبل وزارة الصحة لجميع المراكز المشتركة في العلاج، مثلما يحدث حاليا في حالة لقاحات الأطفال، أو السماح لبعض المراكز الخاصة بشراء العلاج مباشرة واستعماله وفق وصفات تحددها الوزارة، ولا شك أن استمرار المرضى في أعمالهم أثناء العلاج سوف يُمكنهم من تحمل جزء من تكلفة العلاج إن هم استطاعوا تحملها بأنفسهم، كما أن السماح لشركات الأدوية في العالم الثالث بتصنيع أدوية حديثة للإيدز لا تزال براءة اختراعها سارية المفعول، وذلك نتيجة مبادرة ناجحة من الأمم المتحدة، بدأ يساهم في تخفيض تكاليف العلاج بصورة متزايدة، وسوف يشجع توفر الفحص والعلاج بالقرب من مكان إقامة الكثيرين من المصابين على الكشف عن إصاباتهم وطلبهم للعلاج، مما سيشكل بدوره عاملاً مهماً في كبح انتقال العدوى منهم إلى غيرهم من الأصحاء. وأخيراً سوف يتيح توفر العلاج في المراكز الطبية الخاصة إمكانية علاج المصابين من الوافدين أو المقيمين على حسابهم الخاص أو بمساعدة ذويهم وأصدقائهم دون إرهاق كاهل الدولة بأية تكلفة، وقد يؤدي ذلك إلى إمكانية تعديل سياسة الترحيل السريع للوافدين الذين تثبت إصابتهم بالمرض إذا لم يكن هناك سبب نظامي آخر يتطلب ترحيلهم.
السماح بالسرية التامة عند اجراء فحص الإيدز وتوسعة قاعدة العلاج سوف يزيدان، لأضعاف كثيرة، عدد المتقدمين بصورة طوعية لإجراء الفحص وطلب العلاج مما سوف يكون له أكبر الأثر إن شاء الله في وقف انتشار العدوى في بلادنا.
يتبع..