رغم التطورات الكبيرة التي تجري في الصومال، فالواضح أن العالم العربي لم يضع بعد استراتيجية متينة للتعامل مع المراحل التالية من تطورات الوضع الصومالي، من المفهوم، أن الجامعة العربية تشارك في جهود إقليمية ودولية للمصالحة بين الحكومة المؤقتة التي فقدت سيطرتها على معظم أراضي البلاد وبين المحاكم الإسلامية، الحزب الصاعد الذي تحول فعلياً إلى القوة الرئيسية بين عشرات من الميليشيات القبلية وغير القبلية، وليس من المرجح أن تنجح جهود المصالحة الحالية، لأنها ببساطة لا تنطلق من «وضعية جيو- سياسية ثابتة». يمكن للمصالحة أن تنجح إذا كانت الأطراف المتفاوضة قد اتخذت وضعاً نهائياً على الأرض وتحددت قوتها المادية. الحوار السياسي في حقيقة الأمر هو محاولة لتحويل هذه القوة المادية إلى اعتبار سياسي تعترف به بقية الأطراف، ويترتب عليه إقرار بحقوق سياسية تتجسد في حصة من الحكومة والقرار.
عدا هذه النقاشات التي يعرفها معظم المتابعين للصحافة، فثمة تحولات أخرى تجري من وراء الستار، في غاية الأهمية رغم أنها لا تحظى بأي اهتمام إعلامي أو سياسي، ومن المقدر أن وقتنا سيمضي قبل أن نرى انعكاساتها الفعلية. في ظل الحروب الأهلية يقوم الناس عادة بالتركيز على هوياتهم الأصلية، القبلية أو الدينية أو القومية أو غيرها. لكن تجربة افغانستان كشفت عن سياق آخر لتحولات الهوية يتمثل في إعادة صياغتها على ضوء مضمون متجاوز للعناصر المحلية، بدأت حركة «طالبان» كوعي ديني يستثمر هما عاماً هو عجز المجموعات الإثنية

العرب بحاجة لوضع استراتيجية الاحتواء
والاستيعاب للتعامل مع الوضع الصومالي

الأفغانية عن التوافق واعادة تشكيل الدولة الوطنية، واستمدت قوتها ابتداء من علاقات قبلية تقليدية ضمن مجموعة «البشتو» التي تقطن جنوب شرق البلاد، لكنها ما لبثت أن تجاوزت هذه الحدود وتحولت إلى تيار أيديولوجي متجاوز لحدود القبيلة والقومية، هذا التحول الذي لم يُرصد مُبكراً، ساهم بقوة في لقاء «طالبان» مع تنظيم «القاعدة» الذي ينطلق أساساً من رؤية أممية، لا تعنى بالمحلي أو القومي، بل يُشكل العامل الأيديولوجي جوهر رابطته الداخلية.
في الصومال، نجح تنظيم «المحاكم» كما يبدو حتى الآن في تجاوز حدود القبيلة، وفرض نفسه كممثل قومي لشريحة واسعة من سكان البلاد، ونعرف هذا من استقطاب المحاكم لشرائح اجتماعية بعيدة من حيث التصنيف الثقافي عن الدوائر القبلية، لو استمر هذا المسار لبضعة أشهر أخرى، فمن المؤكد أن «المحاكم» ستشكل حكومة الصومال القادمة التي ستكون على الأغلب الحل الوحيد لهذا البلد الممزق.
بالنسبة للدول العربية، فإن تطوراً من هذا النوع ينطوي على احتمالات مخيفة، لعل أبرزها تحول الصومال إلى قاعدة لتصدير التطرف الايديولوجي الذي يلبس رداء الدين، أي تكرار تجربة أفغانستان، لكن الأمر لا يزال في بداياته، وهو لا يزال قابلاً للسيطرة إذا عومل بما يستحقه من جدية واهتمام، يجب أن لا نكرر الخطأ القاتل الذي ارتكبه العالم في التجربة الأفغانية، أي تجاهل القوة القادمة أو التعامل مع المسألة كلها وكأنها تجري في ترينيداد وليس في حديقتنا الخلفية، في ظني أن الدول العربية، ولا سيما تلك التي عانت من انعكاسات الإرهاب ذي المضمون الأيديولوجي، بحاجة إلى وضع استراتيجية متينة للتعامل مع الوضع في الصومال، بدلاً من تجاهله أو التعامل البارد معه. وفي هذا الوقت فإن الخيار الأفضل والأقل كلفة هو استراتيجية «الاحتواء والاستيعاب». رغم أن هذه الاستراتيجية سوف تتضمن بالضرورة انحيازاً إلى طرف، إلا أن الانحياز الى الطرف الأقوى -أي المحاكم الإسلامية- هو السياسة العقلانية والمثمرة، استراتيجية الاستيعاب لا تقتصر على الاعتراف وتقديم الدعم، بل هي في المقام الأول علاقة نقدية تركز على تطوير هوية نهائية لهذه المجموعة ودفعها إلى ربط مصالحها الفعلية (أي الوصول إلى سلطة تحظى باعتراف عربي ودولي) بالاندماج في النظام السياسي الإقليمي والقبول بضروراته ومتطلباته، ومن ضمنها الإقرار بالحاجات الأمنية لدول الجوار.
نجاح استراتيجية الاحتواء والاستيعاب يحتاج أيضاً إلى علاقة قوية مع القوى الأهلية ذات التأثير في الحياة العامة، مثل هذه القوى يمكن أن تلعب دور عامل التوازن الضروري لتثبيط أي توجه غير عقلاني أو غير محسوب من جانب القوة الحاكمة، من الواضح أن استراتيجية مثل هذه سوف تكون واسعة وربما كبيرة التكاليف. وهذا متوقع بطبيعة الحال لأننا نتحدث في حقيقة الأمر عن مشروع تاريخي يتمثل في إعادة بناء نظام سياسي بكامله. وهو مشروع لا يمكن إلا أن يكون مُجهداً ومكلفاً، لكن أيا كانت الكلفة، فإنها ستكون أقل عبئاً من تحول الصومال إلى افغانستان أخرى، ونحن نعرف الكلفة الهائلة التي دفعناها ولا نزال مقابل فتورنا في ذلك البلد.
talsaif@yahoo.com