«وضع قدمه في فمه» مثل إنجليزي بليغ يقال عن الشخص الذي يتورط بالتفوه بكلام ليس من المفروض أن يصدر عنه بحكم الموقع أو الموقف أو كلاهما. وهذا المثل قد ينطبق على حالة وزير الثقافة المصري فاروق حسني الذي نشرت عنه جريدة «المصري اليوم» الصادرة في 16/11/2006 قوله: «إن العلاقة الإيمانية بين العبد وربه لا ترتبط بالملابس..و النساء بشعرهن الجميل كالورود التي لا يجب تغطيتها وحجبها عن الناس..عاصرنا أمهاتنا وتربينا وتعلمنا على أيديهن عندما كن يذهبن إلى الجامعات والعمل دون حجاب.. فلماذا نعود الآن إلى الوراء»؟. على إثر هذا الكلام هاجت مصر وانتفضت و كأن كلام الوزير باغتها ونزل عليها كصفعة زلزال ضرب وجه مصر فتشققت عنه ثلاثة ردود أفعال انفعالية متباينة أعلن على إثرها الوزير، بخطابه إلى مجلس الشعب، أن كلامه جاء ضمن مكالمة هاتفية ودية لم يعلم أنها للنشر ،كان يعبر فيها عن رأيه الشخصي في ارتداء الحجاب، وأنه لا يفضّله ولكنه ليس ضد فرضه و رأيه هذا لا يلزم أحدا بخلع الحجاب أو ارتدائه، وهو لا يزيد عن كونه رأياً شخصياً لا يتعلق بمنصبه السياسي، أو كونه وزيراً لثقافة مصر، مشيراً الى أن 80 % من موظفات وزارة الثقافة محجبات وهن وجميع المحجبات محل تقديره واحترامه.
ردة فعل بعض أعضاء مجلس الشعب، أخذت شكل هجمة ريح سريعة عاتية، طالبوا فيها مجلس الوزراء بطرح الثقة عن وزير الثقافة و تقدموا برجائهم لرئيس الجمهورية أن ينتقم لشعب مصر وأن يُقيل الوزير ،وقد ذهب بعض اعضاء المجلس الى حد التعرض بإسفاف إلى سلوك الوزير واسلوب حياته الشخصية ،ورفع بعض آخر

الحجاب فريضة وفضيلة للمرأة وهو
أمر إلهي لا تبديل ولا اختيار فيه

دعوى الى النائب العام لرفع الحصانة عن الوزير كي يمكن محاكمته بحجة ان تصريحه يشجع على الرذيلة، و تتم محاسبته طبقا لقانون ازدراء الاديان.
ردة الفعل الثانية صدرت في بيان عن بعض المثقفين والمفكرين المصريين يرفضون فيه «سياسة استغلال الدين» من قبل قوى سياسية نصبت نفسها وصية على الإسلام، ممارسةً ارهابها الفكري لفرض سطوتها بما يحقق مآربها السياسية، وراحت تبحث عن معارك وهمية مستغلة حديثا خاصا للوزير. أما ردة الفعل الثالثة فصدرت عن المعارضة المصرية التي اعتبرت تصريحات الوزير عن الحجاب والمحجبات كميناً آخر يضاف إلى السعي الدائم من الحزب الوطني الحاكم، الذي يمثله وزير الثقافة، لتفكيك المعارضة القوية لتوجهاتها في التعديلات والإصلاحات الدستورية والسياسية، فأخذ يسعى الحزب الحاكم عبر تصريحات وزيره إلى إثارة قضية أخرى موازية تستقطب اهتمام الرأي العام وتستدرج القوى السياسية المعارضة بعيداً عن قضيتها الأساسية المطالِبة بتعديلات دستورية ديمقراطية.
و أنا أيضا كان لي من ضمن الناس ردة فعل تلقائية حفزتني على كتابة الموضوع تنطلق من فكرة المثل الإنجليزي أعلاه. لقد كنت في البداية تحت الانطباع بأن الرجل خانته لباقة الوزراء اللغوية في التعبير عما لا يعبّر عن رأيهم، ولكن ما أن انتهيت من التحضير للموضوع حتى انتهت معه ردة فعلي هذه وتغيّرموقفي وربما يتغيرغدا إذا ظهر في الحدث ما يدعو للتغيير، وربما لأن رأياً برمته يحتمل الخطأ، ولكن الفرشة الأساسية التي لم ولن تتغير،هي أن العلاقة الخاصة بين الإنسان وربه ترتبط جدا بالملابس فالصلاة، كأقرب عبادة، يتطلب أداؤها زياً شرعيا محددا، قبل الوقوف أمام الله، واللقاءات بين الناس أيضا تتطلب ملابس لها مواصفات خاصة من ضمنها ملابس المرأة أمام غير المحارم لها مواصفات اكتملت في مفهوم الحجاب الذي جعله الإسلام فريضة وفضيلة للمرأة وهو أمر إلهي لا تبديل فيه ولا اختيار.
أما عن خروج الأمهات قديما بدون حجاب فعلى الأرجح أنها كانت عادة تفشت في ذلك الزمان عن عدم وعي بضرورة الالتزام بفريضة الحجاب والعادة التي تخالف التشريع يجب أن لا نشير لها بالبنان، و«العودة إلى الوراء» الحقيقية هي أن نتطلع خلفنا ناظرين ،إلىمن طرحن الحجاب، بعين الإعجاب والاقتداء.
والآن و من هنا يبدأ مربع الأخذ والرد ويمكن أن أسلّم بأنه لم يُلتمس للوزير عذر في دفاعه عن كلامه لكونه رأيا شخصيا بحتا لا يمثل وجهة نظر رسمية. ذلك أن الشخصية العامة لا يحق لها «بحكم القانون» التعبير عن رأي شخصي مخالف لمقتضيات المنصب الرسمي الذي تشغله.
إنه مازال بيننا عقلاء في هذه الأمة فنتوسل إليهم أن يتدبروا مثل هذه العبارات التي تصدر عن المسئولين بروية و يسمحوا بمساحة كافية لمراعاة المناسبة والظرف والموقف الذي جرى في محيطه التصريح ،إن جاز أن نسميه تصريحا، ويتناولوه بخطاب هادئ مستنير، حتى لا ينزلق الناس في شراك الانتهازيين، الذين ينتعشون و تزدهر فلّة قلوبهم وتتحقق منافعهم الخاصة على أنقاض كوارث الآخرين، و حتى لا يقع الغافلون في بعض الدول في فخ الصحافة الصفراء، هذه الصحافة الرخيصة التي تقتات على تتبع عورات الناس وزلاتهم وتلتفُ على كلامهم لتخرجه فضائح تشعل بها نارالفتن السوداء. إنها صحافة لا تمت لملامح الذكاء والتحضر بصلة، إنها أرذل ما أنتجت الحضارات المتقدمة ويبدو أن بعض المرتزقة تفوقوا في استخدامها على من اخترعها. إنها صحافة يحتقرها الأسوياء ويكافحونها و يكذبونها.
فاكس: جدة 6223196
Suhair_farahat@hotmail.com