من أجل أن نكون أبناء العصر.. ومجتمع الحداثة
(1)
في هذا العالم الكبير والواسع جداً.. والصغير والمتضائل جداً.. في نفس اللحظة .. في هذا العالم الذي أصبحت فيه المعلومة عابرة للقارات وحاضرة في كل الأوقات.. أصبح مفهوم الدولة أكثر تعقيداً وتشابكاً مما كان عليه من قبل وتحول هذا المفهوم إلى مفاهيم أخرى داخل مفهوم الدولة نفسه وتحول الكثير أيضاً من الدول من مرحلة الدولة بمفهومها ومعناها السياسي إلى مرحلة الدولة/ الشركة، وتداخل فيها ما هو سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي وأصبحت كل العقول المهاجرة إلى دول العالم تساهم وبزخم كبير وبفعالية في البناء والتنمية.. وفي صياغة الأوطان والمجتمعات من منطلق الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، من العقول والذهنيات الأكثر اختلافاً والأكثر ارتباطاً بعلوم العصر وتقنياته، وكذلك الإيمان بمسألة هي من الأهمية بحيث لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها والهروب من قدْرها وقدَرها وهي مسألة الاندماج في هذا العالم الذي أصبح فيه منطق الدولة الشركة أو الدولة المؤسسة هو المنطق السائد عبر علاقة تماس مباشرة بين الدولة الوطنية القائمة على الهوية الوطنية، والدولة التي تحاول أن توازن بين هوية الداخل الوطنية وبين هوية الخارج العالمية وثمة تلازم ما بين الهويتين عبر خطابين متصلين ومنفصلين في آن، خطاب للداخل وآخر للخارج.
(2)
على ضوء «منطق الدولة» بالمفهوم الحديث وليس بالمفهوم التقليدي تستوقفني اليوم، في المملكة، فكرة الاتجاه إلى إنشاء المدن الاقتصادية العملاقة، وهي مدن المستقبل ومدن

الإنسان المعاصر تصوغه الأبجدية
والرقم واللغة المتعددة

العولمة، ومدن الحداثة والعالم الجديد ومدن تتجاوز ما هو اقتصادي إلى ما هو علمي ومعرفي وتلك المدن الاقتصادية العلمية السعودية بدءاً من مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل مروراً بمدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة وانتهاء بمدينة جيزان الاقتصادية والمدن الأخرى القادمة سوف تُحدث تحولاً جذرياً على مستوى البنية الاجتماعية.. وعلى مستوى أنماط التفكير في ذهنية الأجيال الصاعدة، وهو ما يجعل التفكير العلمي هو ما ينبغي أن يسود من أجل بناء عقل سعودي أرى ويرى كثيرون غيري بضرورة أهميته في السنوات القادمة، ولابد أن يكون هذا العقل هو المضيء والفاعل في لحظة حضارية تتكئ على المنجز الفكري والعلمي الحديث وتندرج في لحظة العصر مع هوية وطنية آن الأوان أن يصبح الضمير الوطني عبرها هو المعبر الصادق والنظيف إضافة إلى نظافة اليد والسلوك الوظيفي وهو ما ينبغي أن يكون شعار المرحلة القادمة من عمر التجربة السعودية وذلك من أجل الخروج إلى مرحلة أكثر انفتاحاً.. ووعياً بالمتغيرات والتحولات في راهنها ومستقبلها معاً.
مفهوم الدولة الحديثة حقاً ذلك المفهوم الذي يجب أن نبدأ منه بصياغة وخلق ما يسمى بمجتمع المعرفة، ومعنى ذلك أنه لابد من إعادة النظر في المنظومة التعليمية بكاملها إذا كنا نريد أن نصل حقاً إلى مجتمع العلم والمعرفة ونبحث عن موطئ قدم في هذا العالم المتقدم الذي لا يؤمن إلا بالقوي علمياً وثقافياً وعسكرياً وسياسياً.
(3)
أمام الحديث عن إنشاء المدن الاقتصادية وأمام الرغبة في التغيير والتطوير تستوقفني مرة أخرى الزيارة الحدث لشخصية عالمية ورجل مهم هو رئيس مجلس إدارة شركة مايكروسوفت بيل جيتس، وهو الرجل الظاهرة الذي يلخص الفرد لذي يبدو أكبر من الدولة، وأكثر اتساعاً ونفوذاً من كثير من الدول التي يختفي فيها الدور السياسي والاقتصادي معاً.. لقد زار الرجل المملكة والتقى مع القيادة السياسية ووقعت معه عدة جهات تمثل الوزارات والهيئات الحكومية مذكرات تفاهم من أجل الإسهام في الذهاب بعيدا لصياغة مجتمع جديد في مجالات التربية والتعليم وتطوير العملية التعليمية والبحث العلمي ووضع بنية معرفية، وقاعدة علمية وتقنية في كل الهيئات والمؤسسات الثقافية والجامعات والمعاهد، وهنا يمكننا الحديث عن مرحلة ينبغي أن تؤسس على العقل الحدث والتفكير العلمي لا التفكير الذي يقود إلى تكريس الذهنية الواحدة، والاتكاء على كل ماضوي وخارج منطق الدولة الحديثة ومعناها.
إن الإنسان المعاصر لا تصوغه فقط الكلمة في بعدها الثقافي والإعلامي، وفي بعدها السائد، ولكن تصوغه الأبجدية والرقم، وتلعب اللغة المتعددة لا الواحدة في إثرائه المعرفي، وكينونته وشخصيته الدور الأبرز والأهم والمضيء ذلك الانسان الذي لم يعد ابن بيئته وهويته وفضائه الوطني فقط، ولكن ابن الثورة العلمية والمعرفية الجديدة، إنه ابن العصر.. والحداثة والعالم الجديد، ومن هنا لابد لنا أن نكون داخل هذه اللحظة الكونية لا خارجها.
a_faqehi@hotmail.com