بالأمس, ومع نشوة الانتصار الأمريكي بسقوط بغداد عام 2003 وزهوة فرح المعارضة العراقية, وانبهار الشعب بالحدث, حينها, قرر الحاكم الأمريكي حل حزب البعث والجيش العراقي وقوى الأمن, بمعنى آخر هو حل للإدارة الحاكمة والقوة الرادعة. أما اليوم, فتقوم «هيئة اجتثاث البعث» التي يرأسها أحمد الجلبي بتقديم مشروع قانون سيُعرض على مجلس النواب لمناقشته يستثني بعض البعثيين من إجراءات الاجتثاث ويسمح لهم تولي مناصب عليا في الدولة. واليوم أيضاً, تقوم الإدارة الأمريكية بالتفاوض, داخل وخارج العراق, مع البعثيين الذين قرروا إعادة ترتيب صفوفهم والعودة للحضور السياسي في الساحة العراقية.
الاقتناع بأن «لا غرابة في السياسة» يريح الإنسان ويخفف من حدة وقع الصدمات عليه. ولكن ما بين سياسة فرض الأمر الواقع و سياسة مراعاة الواقع بون شاسع من المضامين التي تنحى بالنتائج أما إلى طريق يحرق الأخضر واليابس, أو تفضي إلى درب يضع خطوات الأقدام في أول مساراتها الصحيحة. لأن الفوارق بين سياستي الفرض والمراعاة تكمن في كل التفاصيل والتكتيكات التي يأنس الشيطان

الاقتناع بأن «لا غرابة في السياسة» يريح
الإنسان ويخفف من وقع الصدمات عليه

بها, فمن الممكن أن تتحول حيثية بسيطة إلى رافعة تنموية, أو إلى أداة تجر الناس والبلاد نحو التخلف والفساد.
ما أقدمت عليه واشنطن عند سقوط صدام, وفق سياسة الفرض, من طرد للجيش العراقي وحل لحزب البعث ساهما, بصورة مباشرة أو غير مباشرة, في وصول العراق للوضع الكارثي الذي يعيشه اليوم الشعب العراقي من قتل على الهوية ونهب للأموال ورعب للناس. وساهمت – القرارات - أيضاً في تفاقم هذا الوضع عندما كونت ميليشيات, شبه رسمية, من خلال الحرس الأمني الخاص بكل وزارة ومنشآتها, ومرجعيته ليس لدى وزارة الداخلية أو الدفاع, وإنما عند ذات الوزارة ووزيرها, وقد أمسى عددها 150 ألف عسكري! وتم ضبط مشاركات لهم في تدهور الأمن العراقي!
بغض النظر عن رؤية الكثيرين لحزب البعث وعناصره والجيش السابق وضباط وأفراد الداخلية وتاريخهم, إلا أنهم, وفق سياسة المراعاة, يشكلون جزءاً كبيراً من واقع الشارع العراقي اجتماعياً وسياسياً وأمنياً, بحيث لا يمكن شطب التراكم التاريخي وصيرورة الزمن بمجرد جرة قلم أو ارتجال الموقف. و هل يمكن أن يغفل أحد عن 40 سنة من الدعاية البعثية والعمل التنظيمي والمخابراتي والتعليمي الذي مر بجيل كامل في العراق كله؟
هذه ليست دعوة للقبول بعودة حزب البعث للحياة من قبل الأمريكيين وبعض العراقيين, وإن كانت تلقى تشجيعاً ودفعاً وضغطاً إقليمياً ودولياً, وإنما دعوة لمراعاة الواقع بالقدر الذي يساهم في تصحيحه وتطويره. فعدد القتلى اليومي لا يمكن القبول به, والفوضى العارمة في بلاد الرافدين ينبغي أن تتوقف, والدمار النفسي الذي يعيشه العراقيون يُخشى منه, والطامة الكبرى تكمن في الخوف من تحول أرض العراق إلى مصنع ينتج الإرهاب ويصدره واستمرار الحالة الطائفية ثم انتقالها إلى حرب طائفية تصيب خارج العراق بويلاتها كما داخله. لأن واقع حزب البعث أكبر مما يظنه البعض, وهذا ليس للتهويل, فقد تحولت شُعب المخابرات إلى خلايا تنظيمية مسلحة بالتعليم والعتاد, حيث أشارت لذلك تقارير زيارات وفود الأمم المتحدة للعراق قبل سقوط صدام, وأكدتها لاحقاً,وتتقاطع هذه الخلايا في المصالح, مؤقتاً, مع تنظيم القاعدة. لذا نقول: «احذروا...فالبعثيون قادمون».
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@hotmail.com