تلقيتُ دعوة كريمة من رئاسة اللقاء الوطني للحوار الفكري السادس، تم الاعتذار عنها لظرف شخصي، عدم التمكن من الحضور والمساهمة في النقاش دفع إلى رفع هذه الخواطر إلى اللقاء. وهي في حقيقتها ليست سوى تفكير بصوت مرتفع.
أولاً: صدرت عن مجلس الوزراء بقراره رقم 779 في 16-17/9/1389هـ سياسة التعليم في المملكة. هناك شعور بأن هذه السياسة صدرت على عجل وتحت إلحاح وضغط ظروف معينة. ومن المدهش حقاً أنها لم تتم الإشارة إليها منذ صدورها سواء عند وضع منهج أو تطويره، أو إنشاء نظام تعليمي أو تعديله. إن التغيرات المتلاحقة التي حدثت وتحدث منذ ذلك الوقت تقتضي إعادة النظر في هذه السياسة، على أن تبنى الجديدة على خلفية علمية ودراسة متأنية عميقة حتى تأتي بحق وثيقة يعتمد عليها عند اتخاذ كل خطوة تعليمية أساسية تشمل التنظيم والعملية التعليمية نفسها.
لعل الحوار القادم يأخذ قراراً في هذا الشأن، خدمة للتعليم كله حاضراً ومستقبلاً.
ثانياً: هناك خلط كبير في فهم معنى «المنهج»، البعض يقصره على المقررات (المحتوى)، والبعض الآخر يفهمه على أنه يشمل العملية التعليمية كلها بعناصرها المختلفة، وهي: الأهداف، المحتوى، طرق التدريس، التقويم (الامتحانات) ثم المتابعة. هذا الخلط أدى إلى الاقتصار على تحديث المحتوى فقط وإهمال -أو شبه إهمال- لبقية العناصر، لذا فإن من الضروري أن يخرج الحوار بتعريف للمنهج يلتزم به الجميع.
ثالثاً: الحديث عن المناهج يستدعي التساؤل: من يضع المنهج؟ من يشترك في إعداده؟ من يُناقشه ويعتمده ويُقومه؟ بعبارة أخرى: ما هي آلية وضع المنهج أو تحديثه ثم اعتماده ومتابعته؟ بعض الفئات تشمل مثلاً: التربويين، أخصائيي المواد الدراسية، الآباء، فئة مختارة من المجتمع، مسؤولي التربية والتعليم، الجامعات إلى غير ذلك. على ألا يقتصر دورها على المحتوى،

هناك خلط كبير بين من يستحق الانتماء
لمهنة التعليم الشريفة ومن لا يستحق

ولكن يشمل كل عناصر المنهج المشار إليها.
إن الإشارة إلى هذه الآلية وإقرارها أمر ضروري يستدعيه وضع المنهج أو تحديثه. لقد وصلت الدول المتقدمة إلى تحديد الآلية وتعمل فعلاً بما وصلت إليه، لعل الحوار يرى فيها رأيه.
رابعاً: الهدف الواضح، ويكاد يكون الوحيد- للمرحلة المتوسطة هو تخريج طلاب المرحلة الثانوية. والهدف الواضح/ الوحيد للمرحلة الثانوية هو تخريج طلاب للجامعة. هذه الأهداف ربما كانت مقبولة عندما كان العدد بسيطاً لا يتعدى المئات، ويوم كانت الدولة في حاجة ماسة إلى خريجي الجامعة لسد احتياجاتها المختلفة. أما اليوم فإن هذه الأهداف لا تناسب حاجات اليوم والغد وتظلم ملايين الدارسين في المرحلتين المذكورتين. الأعداد الهائلة التي تتخرج من الثانوية وراء هذه الأعداد الكبيرة التي لا ترى أمامها طريقاً إلا طريق الجامعة. والجامعات -مهما تزايد عددها- لا تستطيع أن تواكب هذا النمو غير العادي. كما أن الأعداد الهائلة التي تلتحق بالجامعة تعني وجود أعداد هائلة من الخريجين لا يستطيع الاقتصاد الوطني استيعابهم. وربما أيضاً القطاع الخاص ليس في حاجة إليهم جميعاً، مع حرمان القطاعين العام والخاص من خريجي أنواع أخرى من التعليم.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل يُمكن الحث على إعادة النظر في أهداف المرحلتين المتوسطة والثانوية بما لا يحرم أنواعاً تعليمية أخرى من طلاب يحتاج إليهم الوطن فعلاً؟ هل يمكن تحديد أعداد الملتحقين بالمرحلتين المذكورتين؟ كيف يتم هذا التحديد؟ وكيف يتم الاختيار؟ التحديد سوف ينعش التعليم المهني ويقضي على نظرة خاطئة بأن الجامعة هي الطريق الوحيد الذي يجب سلوكه.
خامساً: وجود إعادة النظر في مناهج كليات إعداد المعلمين وكليات التربية، وتحديد شروط الالتحاق بها فلا تستمر في قبول من لم يجد قبولاً في غيرها. الوضع الراهن فيه إهانة لهذه الكليات وإهانة لمهنة التعليم، وخلط كبير بين من يستحق أن ينتمي إلى هذه المهنة الشريفة ومن لا يستحق.
سادساً: يشعر الكاتب بأن الحديث عن التعليم واحتياجات سوق العمل قد طغى طغياناً فاحشاً على أهمية العلم الذاتية حتى كاد يقضي عليها. هل هذا شعور ذاتي أم أنه يمثل ظاهرة يجب بحثها بعناية تقديراً للعلم واحتراماً له؟
سابعاً: التغيير والتطور من سنن الحياة يفرضهما هذا التطور العام السريع واحتياجاته، وقد فوجئنا أو نُفاجأ بتغييرات ينقصها البحث والدراسة العميقة والقرار المتأني، مع انعدام القوى البشرية المؤهلة لتنفيذ هذا الجديد. مثال ذلك: الرياضيات الحديثة، إدخال اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية، تغيير نظام الدراسة السنوي إلى نصف سنوي إلى الساعات المعتمدة، إلغاء القسمين العلمي والأدبي في الثانوية واستبدالهما بأقسام أخرى.. إلخ.
الجديد كثيراً ما لا تكون له صلة بالموجود أو الموروث، وإنما يتم اتخاذه على جثة المعمول به. وهذه ظاهرة عامة في العالم العربي أجاد التعبير عنها الأستاذ طارق البشري في كتابه القيم: «ماهية المعاصرة» كتب يقول: «إن من أخطر أسباب ما عانينا ونعاني من التطور المعوق أننا لا نعدل القديم ونجدّده ونغيّره، إنما نستبدل به غيره، ونحطّمه ونلغيه، ونقيم بدلاً منه هيئات ليست خارجة منه ولا مصنوعة من مادته. ثم إن تجديد الهيئات والمؤسسات لم يأت بالإحياء والبعث وإعادة التشكيل وإعادة التوظيف، إنما جاء بالهدم والبتر والإقصاء. ونحن في ذلك لا نعرف قيمة الشيء إلا بعد أن خسرناه، وقد هدمنا تراثاً كبيراً أنتج من قبل إعماراً وحضارة ومدنية، وهيئات تعلقت بها قلوب المنتمين إليها وأرواحهم واحتضنت عادات انتمائهم لها)، ص78.
ثامناً: التعليم العالي عامة والجامعي خاصة يستحق نظرة وأية نظرة.
إن ما سبق ليس إلا قليلاً من كثير لا يخفى على المتحاورين الأفاضل.. أرجو للقاء كل توفيق..