مع الفجر
د. لمياء باعشن.. والموروث الشعبي
.. في زيوريخ بسويسرا.. ومع مجموعة من الأصدقاء أذكر منهم: الشيخ حمد الشاوي، والأستاذ عبدالمحسن السميري، والأستاذ محمد صالح التويجري، والأستاذ إبراهيم محمد العيسى، والأستاذ عبدالله صالح فقيه مع الشيخ صالح الزومان -رحمه الله-.. شاهدنا أكبر حفل للموروث الشعبي بمناسبة عيدهم الوطني. إذ خرج الناس هناك عن بكرة أبيهم في ملابسهم التقليدية التي تختلف باختلاف القرى كما تختلف أناشيدهم الفلكلورية التي يتغنون بها ابتهاجاً بعيدهم القومي.
وكان أحلى ما استمتعنا به -رغم جهلنا جميعاً للغة- الألحان الشعبية للأهازيج الوطنية التي كان يترنم بها الأطفال.
تذكرت هذا الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن وأنا أستمع للأهازيج الفلكلورية التي قامت بجمعها وإعدادها الدكتورة لمياء باعشن بعنوان «دوها» وهي مسجلة بمكتبة الملك فهد الوطنية تحت رقم الإيداع 3133/1427.
وقد أحسنت الدكتورة باعشن بطباعة الأهازيج بنصها رفق الـCD الذي طبعتها عليه ليقرأ الجيل الجديد النص ويتذكر ذلك الماضي الذي عاشه السابقون واختفت ملامحه من حاضرنا الذي تقول عنه الدكتورة باعشن:
«تجسد هذه الموروثات النغمية الضاربة بجذورها في وجدان أهل الحواري الحجازية الهدف الواحد والآمال المشتركة التي جمعتهم كما تحمل تعبيراً صادقاً عن روحهم وعاداتهم وتقاليدهم ونمط حياتهم مما أعطاها نكهة خاصة ومميزة، وإضافة إلى كل ذلك فهي تعتبر مظهراً ثقافياً لهذا المجتمع لما تتسم به من مميزات وبصمات خاصة في مقدمتها حرية الممارسة وتنمية العلاقات الاجتماعية، هذا الترنم بالكلمات الموزونة على مستوى شعبي جماعي يعد من الظواهر الإنسانية العالمية المشتركة بين جميع الأمم، وتعمل منظمة اليونسكو منذ العقد الأخير من القرن العشرين على تشكيل الكثير من اللجان التي تهتم بتوثيق التراث الشعبي وحمايته من الضياع من خلال إيجاد صيغة ملائمة للتعامل مع تراث الشعوب وتوسع التلاحم الإنساني من خلال ثقافاتها المختلفة وتراثها المنوع.
وأمام اختفاء هذه الأهازيج الشعبية من ممارساتنا الحياتية، وبقائها محفورة بعمق في ذاكراتنا تتحدى عوامل الزمن والمتغيرات، وحيث إنها ظلت طوال هذه المدة حبيسة في قوالب التراث وصدور الحفظة، فقد صار لزاماً أن نقوم بتوثيق وعرض هذا الجانب المهم من إرثنا الثقافي والاقتراب الصادق من الحس الشعبي الذي أفرزها حتى نتمكن من توريثها لأجيال قادمة لم تسنح لهم الفرصة لسماعها أو تدرك أهميتها.
وقد حاولنا في تقديم هذه المجموعة من الأناشيد الشعبية أن نحافظ على ملامحها الأصلية والأصيلة وألا نزيفه ولا نراوغه، ولكن الإخلاص التام للتراث كان سينتج شكلاً نمطياً رتيباً مشكلاً بذلك عقبة في طريق إخراج الأغاني بالطريقة المطلوبة، حيث ان هدفنا هنا هو إحياء التراث الساكن وتحريك جموده بشكل يهيئه لأن يسترجع المساحة الواسعة في وجدان الناس ولأن يمتلك أحاسيس الجيل الجديد وشباب وشابات اليوم الذين تتميز حواسهم بالميل إلى السرعة والاختزال والتشويق، لذا فقد أخضع الفنان الشاب عبدالعزيز فتيحي هذه القطع العتيقة بطريقة مبتكرة إلى تقنيات حديثة في الإيقاع والموسيقى وأضاف إليها ما تحتاجه من وهج يخدم التراث ويعيد اكتشافه ويجنبه برودة التكرار وفجاجة العفوية دون المساس بقوانينه الداخلية، فيقربه بذلك من الذوق العام السائد في هذا الزمن ليسهل تذوقه وتداوله وبالتالي إحياؤه مرة أخرى».
إنني في الوقت الذي أشيد بما قدمته الدكتورة لمياء باعشن لأرجو من المهتمين بالأدب الشعبي في المناطق الأخرى أن يحرصوا على تسجيل ذلك التراث قبل أن ينساه الجميع.
أضف تعليقك