تلقيت دعوة كريمة من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث لحضور افتتاح مؤتمر القلب الدولي الخامس تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن ماجد بن عبدالعزيز محافظ جدة. دأب المستشفى على عقد هذا المؤتمر سنوياً منذ عام 2000م تأكيداً لتفوقه ولإبراز ما توصّل إليه الطب في أمراض القلوب ولمد جسور التعاون بين المراكز المختلفة في المملكة والعالم للاستفادة من الخبرات الدولية ونقل المعلومة بشكل يخدم مواطني هذا البلد والمقيمين فيه. مقدّراً للدكتور طارق لنجاوي المدير العام للمستشفى ثقته ومصداقيته وهو يؤكد بكل فخر أن قسم القلب بالمستشفى قد أجرى أكثر من ألفي عملية قلب للأطفال والكبار وأكثر من خمسة آلاف عملية قسطرة تشخيصية وعلاجية في صور تعكس اهتمام القيادة بالقطاع الصحي. إن هذا المؤتمر يقدّم حالات واقعية من واقعنا اليومي ومناقشة سبل التشخيص والعلاج المناسب لها، وقد أبلى القائمون على هذا المؤتمر بلاءً حسناً وكان لدكتور القلب المبدع رئيس اللجنة المنظمة الدكتور ناصر مهدي دور كبير في إخراج المؤتمر بصورة ناجحة وفائدة عظيمة مبيناً أن فكرة المؤتمر بدأت مع إنشاء مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة.
ولقد كان من ضمن فعاليات مؤتمر الافتتاح محاضرة للداعية الإسلامي السيّد عبدالله فدعق بعنوان «الحق في الحياة» وكانت محاضرة شاملة تناولت كافة أوجه الحياة صاغها المحاضر الكريم في قالب إسلامي جميل تطرّق فيها إلى ضرورة فرض تشريعات للاستفادة من أعضاء الموتى واللجوء إلى الاستنساخ كحل نهائي ومقبول للعقماء.
وقد وقفت طويلاً أمام هاتين النقطتين. فأنا لا أوافقه الرأي في ما ذهب

لا يحتمل موضوع الاستنساخ وجهات
نظر فردية أو اجتهادات شخصية

إليه من أنه يمكن للمصابين بالعقم اللجوء إلى الاستنساخ للحصول على الولد.. فمازال أهل العلم بين الأخذ بالاستنساخ وردّه ووصفوا المشتغلين به أنهم يعبثون بخلق الله ويسعون في الأرض فساداً فهو حرام في نظرهم. والبعض الآخر امتنع عن الخوض فيه لعدم حصول التصور الواضح لمعناه، فالحكم على الشيء فرع من تصوره كما يقول بذلك الأصوليون.
وقال السيد فدعق إن الاستنساخ هو الوسيلة العلمية الجديدة لكي يستنسخ العقماء من أنفسهم ولداً أو بنتاً، وهنا تكمن المشكلة. فلو تم أخذ خلية من الزوج وكما نعلم أن كل خلية تحمل نواة داخلها الكروموزومات التي تحمل كافة العوامل الوراثية بصفاتها فهذه الخلية التي تخص الزوج إنما هي نتاج تلقيح بويضة تحمل صفات أمه أي أم الزوج بحيوان منوي محرّم على هذه الزوجة وهو ماء أبيه أي أبي الزوج ونتاج هذا التخصيب أن المولود يكون ذكراً صورة طبق الأصل للزوج بل هو توأم له فلا يكون هذا المولود ابناً للزوج ولا ابناً للزوجة، لا منفردين ولا مجتمعين بل يكون أخاً توأماً للزوج وما رحم الزوجة في هذه الحالة إلاّ وعاء من غير نسب والمولود غريب على هذه الزوجة، أجنبي عنها بل هو الحمو الذي حذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن تم أخذ الخلية من الزوجة نفسها وهذا محل اعتراض من بعض العلماء لتخصّب بها فإن المولود يكون أنثى طبقاً للزوجة وتوأماً لها، أجنبية عن الزوج تُحرم عليه لأنها ليست ابنته بل هي أخت لزوجته توأم لها.
وهذه الحالة لا تعدو أن تكون استيفاء منفعة رحم أجنبي لإتمام نمو جنين أجنبي على صاحبة الرحم وهو صورة من صور تأجير الأرحام وإن كان استيفاء المنفعة هنا من غير مقابل وهذه الصورة وأمثالها محظورة على ما صدرت بشأنه الفتاوى الشرعية من قِبل الهيئات التشريعية في العالم الإسلامي.
على هذه الصورة التي ذكرتها آنفاً فإن ما ذكره السيّد فدعق في محاضرته واعتبره وسيلة علاج ناجحة باستنساخ العقماء أبناء من أنفسهم لا يكون للاستنساخ هنا أي فائدة مرجوة ولا نفع لمن سبقت عليه مشيئة الله أن يكون عقيماً. وبذلك لا يمكن للاستنساخ أن يحل هذه المشكلة البتّة.
إن الاستنساخ (نظرياً) لا يتم إلاّ بخلية تؤخذ من الرجل أو المرأة ولا يدخل فيه أي ماء للرجل أصلاً. فأصل الخلقة في الاستنساخ ومكوناتها من الصفات الوراثية للجنين محفوظة في النواة لخلية الجنين مغلق عليها غير منفتحة ولا تُفتح إلاّ في إجراءات الاستنساخ وتنمو وتتفرّع طبقاً للتعليمات التي تحتويها المكوّنات الخلقية في المورّثات الصبغية للكروموزومات وهي عبارة عن ناقل للعوامل الوراثية.
ولكن إذا كان التخصيب لبويضة الزوجة يجرى بخلية من خلايا ابن أو بنت سبق أن أنجبته أو أنجبتها من زوجها التي هي في عصمته حال التخصيب. ففي هذه الحالة فقط يكون الجنين يحمل صفات الزوج والزوجة معاً ويكون الرحم مباحاً للزوج في استيفاء منفعته وهذه حالة خاصة ولا تُسمى استنساخاً بالمعنى العلمي له. إن موضوع الاستنساخ (نظرياً) برمته موضوع شائك ومعقّد لا يحتمل وجهات نظر فردية أو اجتهادات شخصية لما يكتنفه من أهمية وخطورة عظيمة. وللحديث بقية.
najeeb@yamanie.com