ولى عهد الاستعمار القديم، وبدأ عصر «الاعتماد المتبادل»، وترابط مصالح دول العالم. ولكن بدأ، منذ الستينات من القرن العشرين، استعمار من نوع آخر... عرف بـ «الاستعمار الجديد»... الذي بات امتدادا لسلفه، سيئ الذكر، «الاستعمار القديم». بل ثبت أن الاستعمار الجديد أسوأ –كثيراً– من سابقه، بالنسبة لمن ينزل بهم. وسنلقي، في هذا المقال، بعض الضوء، على هذا الاستعمار الجديد... محاولين كشف أهم ملامحه، التي هي ليست بغريبة على هذه المنطقة، التي عانت منها – ومازالت – الكثير.
يعرف «الاستعمار الجديد» (Neocolonialism)، أو «الامبريالية» (Imperialism) كما يشير البعض إليه، بأنه: سيطرة دولة أقوى (نسبياً) على بلد وسكانه، وإخضاع مقدرات ذلك البلد لإرادة القوة (الأجنبية) واستغلال إمكانياتها المختلفة، لصالح الدول المهيمنة. وبعض الكتاب يرى أن «الإمبريالية» تعتبر استعمارا غير مباشر... أو استعمارا مخففاً... لأن «الإمبريالية» تعني: فرض الهيمنة الاقتصادية – بصفة رئيسية، مع فرض السيطرة السياسية غير المباشرة.
إن مدى «قوة» (ونفوذ) دول العالم، يتفاوت –بالطبع– من دولة لأخرى، ومن وقت لآخر. فهناك –دائماً– دول أقوى (وأكثر نفوذاً) من غيرها. وبالتالي، فان الدول الأقوى تكون أقدر.... على ممارسة الهيمنة، على الأضعف منها، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية (بما فيها الثقافية) والأمنية (العسكرية) – متى أرادت.
وإن وجود دول أقوى، ودول أضعف، لا يؤدي –بالضرورة– إلى نشوء «الإمبريالية» (الاستعمار)... ما لم يعمد الأقوى على السيطرة ( غير المباشرة، في الغالب ) على بلدان أخرى، وإقامة علاقات «سيد – مسود» معها – إن لم يجد مقاومة تذكر، وان أتاح له الوضع السياسي ذلك. إن تحقيق هذه الرغبة الاستعمارية يصعب عندما توجد مقاومة (وطنية) فعالة، ويسهل إن لم توجد مثل هذه المقاومة، أو وجد تواطؤ، بين الاستعمار والقوى المحلية، المؤثرة.
ولعل أهم ما يدفع أية دولة لممارسة «الإمبريالية»، هو: قدرتها (النسبية) على الهيمنة غير المباشرة على آخرين... لتحقيق واحد أو أكثر، من الأهداف التالية:
1- الهدف الاقتصادي، المتمثل في: فتح أسواق جديدة، لمنتجاتها، والحصول على ثروات طبيعية، ومواد خام، بأقل تكلفة ممكنة.
2- الهدف السياسي: تسهيل الهيمنة على المنطقة الواقع فيها البلد

يظل الاستعمار السياسي (الجديد) هو
أخطر و(أسوأ) أنواع الغزو والاستعمار

المستهدف، عبر المساعدة في تمرير سياسات المسيطر.
3- الهدف الأمني: وغالباً ما يتمثل في: تأمين إقليمها، عبر السيطرة على بلاد ذات موقع إستراتيجي متقدم، بالنسبة لها.
4- تحقيق بعض «الوجاهة» الدولية ،و النفوذ، وسمعة الدولة القادرة –دولياً.
5- الهدف الإنساني والتثقيفي: ويتجسد في: محاولة تقديم «عون» لشعب منطقة ما معينة، أو نشر ثقافة وعقيدة القوى، فيها... بما يحقق للأخير تبعية الأضعف – نسبياً – في المدى الطويل.
ولقد ساهم الاستعمار القديم في بناء بعض عناصر البنى التحتية، في كثير من مستعمراته السابقة، كما نشر بعض المبادئ والأفكار، الإيجابية... مثل: الوعي بضرورة النمو والتنمية، وحتمية الاهتمام بالصحة والتعليم، وضرورة التنظيم الجيد، في إطار قانوني، وغير ذلك. وهذه الأفكار والمبادئ تعتبر من أهم متطلبات النمو والتطور، وهو ابرز طموحات كل شعوب دول العالم، وخاصة العالم النامي. ولكن هذه الإيجابية لا تُذكر، أما السلبيات الضخمة، التي تمخضت عن الاستعمار، بنوعيه (القديم والجديد) بالنسبة للدول النامية بخاصة. فالاستعمار يأخذ من هذه البلدان أضعاف ماقد يعطيها. كما أن الاستعمار الجديد يحاول –في الغالب– عدم نشر المبادئ الإيجابية، التي من شأن تبني المُستَعْمَرِين لها أن ترفع من شأنهم، أو تقوي موقفهم، تجاه الغزاة. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. وغالباً ما يقود الاستعماران الاقتصادي والثقافي إلى: الاستعمار السياسي. كما أنه ينتج عن الاستعمار السياسي –بالضرورة– الاستعماران: الإقتصادي والثقافي. وفي التحليل النهائي، يظل الاستعمار السياسي (الجديد) هو أخطر و(أسوأ) أنواع الغزو والاستعمار... لأن من استُعمِر (بضم التاء وكسر الميم) سياسياً، سيستعمر –بالضرورة– في بقية المجالات...
قال أحد علماء السياسة الأمريكيين: «لقد خلف الغول الكبير غولاً كاسراً وشرهاً»، يصف ميلاد «الاستعمار الجديد»... ونشوؤه كـ «خلف» للإستعمار القديم. إن «الغول» الجديد لا يرحم من قدر لهم أن يكونوا من ضحاياه. وهو يضعفهم – بشتى الوسائل – كي يقعوا صيداً سهلاً له. لقد تغير شكل وأسلوب الاستعمار فقط... أما جوهره فمازال كما كان – في عهد الاستعمار القديم. كان الاستعمار القديم صريحاً وواضحاً، يأتي بعساكره ،ومدافعه، وبوارجه، ويحتل رقعة الأرض، التي قدر لها أن تكون الفريسة... ولا يخرج إلا بإطلاق النار، وحرب الميليشيات، وربما الصراخ من على منبر «الجمعية العامة» لهيئة الأمم المتحدة. أما الاستعمار الجديد فهو: يخفى وهو يستشري... أي أنه غزو لا يُرى بعين العامة، المجردة، أو الجاهلة.
والاستعمار الجديد يعمل على إضعاف فرائسه المفضلات، بمختلف الوسائل، والأساليب... التي يأتي في مقدمتها: الهيمنة (غير المباشرة) على إدارة البلدان الضحية... كي يحقق أهدافه، وأهمها: الحصول على خيرات المستعمرات، المطلوبة، بأقل تكلفة ممكنة، وجعل هذه المستعمرات، و«مناطق النفوذ»، سوقاً مفتوحاً، لتصريف بعض الفائض من منتجاته. تلك هي – بصفة عامة – أهم أهداف الاستعمار الجديد، نحو فرائسه، في العالم النامي بخاصة.
وبما أن معظم دول العالم العربي والإسلامي تصنف ضمن مجموعة العالم النامي (الجنوب) فإن غالبية هذه البلدان قد تعرضت – كغيرها – للإستعمار القديم، وعانت منه – ومازالت – الأمرين. كما أن بعضاً منها يعاني الآن مُر الأمرين، من الاستعمار الجديد... الذي يتبع سياساته الاستعمارية المعروفة، نحوها. إن معظم العالم العربي، يمثل، بإمكاناته الطبيعية الهائلة، منطقة مهمة، وجذابة، للأقوياء... أو لنقل فريسة ثمينة، لا يستغرب أن يتسابق الصيادون (المستعمرون) على اقتناصها، بل إن اعتناق العالم العربي والإسلامي للدين الإسلامي، قد ضاعف –كما يظهر– من كيد الاستعمار، للعرب والمسلمين. فالاستعمار –قديمه وجديده– يسيء فهم الإسلام، ويخشاه، ويعتبره «عقيدة» مناوئة ومناقضة لما يؤمن به من مذاهب وقيم. لذلك، فهو يعمل على محاربته، والحيلولة دون ارتقاء شأنه. وهذا من أهم مظاهر كون الحقد الاستعماري على العرب (والمسلمين) مضاعفاً، نسبة لبقية العالم النامي. ويجب أن نذكر هنا: أن العرب والمسلمين يتحملون قدرا كبيرا من مسؤولية هذه النظرة تجاههم... بسبب سلوكياتهم السلبية المعروفة... التي قللت من احترام الآخرين لهم، وسهلت طرق الهيمنة عليهم، أو على بعضهم على الأصح.
أما مكافحة الاستعمار، بأنواعه وأشكاله المختلفة، والتخلص منه، فقد أضحت (إضافة إلى مشروعيتها القوية ) مسألة معروفة، لجميع المعنيين. فالدول التي حررت نفسها من قديم الاستعمار وجديده، قدمت دروساً كثيرة، وواضحة، لمن يهمهم الأمر، ومنهم – دون شك – كثير من العرب.