سمعتُ في بعض المجالس، كما رأيت في شاشات الفضائيات تحليلات مستفيضة حول «الانقلاب الخطير في السياسة الأمريكية» لماذا؟ وكيف؟.. لا أحد يفند تفنيداً تؤيده الوقائع ولا التاريخ. فالجمهوريون أمريكان، وكذلك الديموقراطيون، فالكل يسعى لمصلحة أمريكا أولاً، وقبل ذلك رضا إسرائيل واليهود مهما كانت أفعالهم وتجاوزاتهم، فاليهود على حق مهما فعلوا: خطأهم صواب، وصواب أعدائهم خطأ.
البعض يقول: إن الديمقراطيين يتصفون بالواقعية أكثر من الجمهوريين.. وبعض آخر يقول: إن الديموقراطيين غير عدوانيين كما هو الحال مع الجمهوريين، وبعض ثالث يرى: أن الديموقراطيين اشتهروا بإنهاء النزاعات التي أحدثها الجمهوريون في كثير من دول العالم طوال القرن الماضي حتى يومنا هذا.
والبعض الرابع يرى أن «سعيداً أخيُّ امبارك». أي أن هؤلاء وأولئك يحكمون لأغراض أمريكية مهما كانت النتائج، وإن اختلفوا في الوسائل فالنتيجة واحدة.
ويرد عليهم الطرف الخامس بأن الوضع الحالي يختلف عن التجارب السابقة في السياسة الأمريكية: حيث إن الوقائع السابقة كانت تتم في عهد لم تكن للسلطة الأمريكية الهيمنة المطلقة في المجتمع الدولي: فقد كان وجود الكتلة الشيوعية -في السابق- عنصر تحجيم للأطماع الأمريكية، ووسيلة ضاغطة لكي تفكر الإدارة الأمريكية مرتين أو ثلاثاً قبل أن تُفاجئ هذا البلد أو ذاك بغزو لا مبرر له.
ولاشك أن كل فريق لديه الحجج التي يستند عليها في تحليله للوضع وإن اختلف الآخرون معه، لكن واقع الأمر يختلف -إلى حد ما- فالوضع الحالي جاء مفاجأة لم يتوقعها أباطرة السلطة في البيت الأبيض الذي وصل

المسلمون الأمريكيون متعاونون
على احترام الآخرين من مواطنيهم

بهم الأمر إلى تحدي العالم كله في تحقيق ما يرغبون مهما كان ذلك فيه من العوج ما فيه.
ولعل تجربة الأعوام الأربعة السابقة (2002- 2005) تعطي دليلاً واضحاً على هيمنة اليمين المتطرف، والمحافظين الجدد، على مسيرة السياسة الأمريكية ويدعم اتجاه هؤلاء وأولئك رئيس يتميّز بعدم التعقل عند اتخاذ قرار قد يهدم أمة، أو يطيح بسلطة إذا كان يخدم إحدى الهيئتين المشار إليهما أعلاه، وقد يفسر ذلك ما ذكر على لسان والد الرئيس بوش حول ابنيه حينما وصف أحدهما بأنه ذو حظ قوي (محظوظ) وأن الآخر ذو رؤية واضحة وذكاء وقاد، وكانت النتيجة أن فاز ذو الحظ، ولم يكن ذلك الذكي المتعقل. (إذ كان المتعقل هو حاكم فلوريدا، في حين أن المحظوظ كان حاكم تكساس الذي أصبح رئيساً للولايات الأمريكية لفترتين عصيبتين).
لكن نتيجة الانتخابات النصفية هذا العام أدت إلى نتائج لم تكن متوقعة من قبل أصحاب الهيمنة في الولايات المتحدة، حيث إن غرورهم أعماهم عما يمكن أن ينجم عن ذلك الغرور والهيمنة، إذ فاز الديموقراطيون بالأغلبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهذا يعني أن المغرورين أصيبوا بخيبة أمل لم يتوقعوها حيث إن غرورهم لم يجعلهم يُحللون الوضع بشكل عقلاني.
فلم يحللوا ما نتج عن غرورهم وتسلطهم على الغزو الأمريكي بالداخل وخاصة الفقراء، وأفراد الأقليات، وبالتالي فوجئوا بما لم يتوقعوه.
لم يتذكروا -مثلاً- أن المسلمين الأمريكان كانوا قد صوتوا لصالح الرئيس بوش وحزبه، ومع ذلك صار المسلمون في أمريكا ضحية تسلط من اليمين الذين ضيقوا عليهم وغزوهم في كثير من بلدان العالم، وكانت النتيجة أن تحول اتجاه الناخب الأمريكي المسلم بشكل واضح إلى مساندة الحزب الديموقراطي الذي يعد الآن «أخف الضررين»، حيث اعتاد المسلمون أن يساندوا الجمهوريين باعتبارهم ذوي مبادئ، وأكثر محافظة من الديموقراطيين الذين كان لهم بعض الشطحات الاجتماعية والأخلاقية، مثل إجازة الزواج المثلي (الشواذ).
ومن ذلك أيضاً أن المثل الأمريكية التي كان يتغنى بها قادة الولايات المتحدة ويصدقها رجل الشارع ويؤمن بها (من حيث احترام حقوق الإنسان، والسعي لسيادة القانون) قد أصابها المحافظون والمتصهينون (ومن يعمل تحت توجيهاتهم) في الصميم من خلال المعتقلات غير النظامية (خارج نطاق القانون الأمريكي) ومن خلال أساليب التعذيب التي لا تقل عما كان يفعله من كانوا ضحايا المثل الأمريكية المزيفة التي فضحتها الظروف التي أفرزتها جريمة 11 سبتمبر 2001 التي جيرتها (الفئات المتصهينة، وأولئك المحافظون) ضد الإسلام والمسلمين أينما كانوا.
لكن المريح للنفس أن الإخوة المسلمين في أمريكا قد وحّدوا أنفسهم لصالحهم وصالح اخوانهم داخل الولايات الأمريكية وخارجها مما أبرزهم مجموعة متعاونة متنافسة تحترم نفسها، كما تحترم الآخرين. أرجو الله أن يُكلل جهودهم بالنجاح لصالح بلدهم التي يعيشون على أرضها أولاً، وثانياً لكي يمثلوا الإسلام والمسلمين تمثيلاً يليق بحقيقة الإسلام. وما يجب أن يكون عليه تعامل الفرد المسلم مع الآخرين حتى وإن لم يكونوا مسلمين. فذلك هو الانجاز الحقيقي الذي تفتقده كثير من التجمعات الإسلامية في العصور الحالية التي تعج بالتحدي للإسلام والمسلمين.