«الفكر اليومي».. حينما «يتأسس» على الجهل
(1)
في مجتمع تحكمه «نزعة» إلى السكون والدعة والاسترخاء وعدم طرح الأسئلة الشائكة والمعقدة والكونية لا يمكنك أن تقبض على مشروع فكري وحضاري تشعر معه بأن هناك عقلاً، يرى أبعد مما هو واقف على السطح.. أو ما يمثل قشرة للأشياء.. والواجهات الملساء والبراقة.. للناس وللأمكنة..
في هذا المجتمع.. الكل يلهث.. يركض.. بحثاً عن الهامش.. وعن الاستهلاكي، والسريع وتبدو الأفكار المنتجة، أفكاراً فاقدة لهويتها وخارجة عن سياق -حتى مجتمعها- وآتية من ثقافة القراءات السريعة.. والمشاهدات السريعة وأخذ المعرفة ليس من مظانها.. ومن القراءات الجادة.. ولكن من تلك الثقافة التي يمكن تسميتها بـ«ثقافة الأذن» وهي ثقافة يقوم أصحابها على تعميقها وتكريسها عبر حالة مستمرة من السماع لما يدور في المجالس العامة ومن الفضائيات دون التمحيص والتدقيق والدخول في تحليل وفهم ما يُسمع وما يُقال.. وثمة أناس هم في حالة عداء وخصومة مع القراءة.. وتحديداً القراءة القائمة على ما يحيط بمجمل القضايا الراهنة -السياسة والاجتماعية والثقافية- وتتأسس ثقافة هؤلاء- وهي ثقافة سطحية ويحكمها فكر العوام على عدم الاكتراث بالدقة في إيراد المعلومة، وتحليل هذه المعلومة، وإطلاق الآراء التي تتجه نحو المغالطة وتعميم الخطأ، ومن هنا تتبدى مسألة التعامل مع «المعرفة» ومدى الاستخفاف الذي نراه وبشكل فادح في مشهد يتكرر في كل الأوقات والأزمنة.
.. نعم هناك جرائم ترتكب باسم المعرفة، وهي جرائم معرفية فعلاً إذ إن أصحابها يصادرون أسماء وأشخاصاً بلغة ضيقة.. ويحكمون على انجازات مثقفين

«الجهل المؤسس» يمتد من ثرثاري
المجالس إلى مُدّعي الثقافة والمعرفة

ومبدعين ومفكرين كبار وفاعلين لمجرد سماع كلمة سلبية وظالمة قالها حاقد أو جاحد أو حاسد أو مغرض.. نعم ثمة حرق وإلغاء وإقصاء يتم من قبل هؤلاء لمجرد أن هذا الكاتب لا يعجبه أو هذا المبدع لا يروق له أو هذا المفكر أو العالم لا يرى فيه ما يستحق الاحترام والتقدير.. وما يرفعه إلى المقام الذي يستحقه ناهيك عن الأوصاف الجاهزة من «العلماني».. إلى «المتأسلم».
(2)
إذن.. هل هي أزمة فهم.. أم أزمة بعض العقول التي ليست لديها القدرة على التفكير.. هل هي نتاج أي مجتمع يتربى على التلقين وتأتيه المعلومة جاهزة، أم أن غياب الحراك السياسي والفكري والفلسفي.. والثقافي، وتغييب تدريس الفلسفة في جامعاتنا هو ما أفضى إلى غياب ومن ثم تغييب الأسئلة التي تذهب بعيداً في ذلك الحوار العميق ثم السجالات التي تفتقدها المؤسسات الجامعية والعلمية والأندية الأدبية والثقافية، لذلك نجد أنفسنا أمام نماذج وحالات من الناس هم أسرى ثقافة الأذن، والثقافة السماعية والذين يقفزون فيما يقولونه ويفعلونه على كل شيء دون الإدراك أن الرأي مسؤولية وإن اقتحام ميادين الفكر والثقافة والسياسة وحقول المعرفة دون وجود قاعدة من القراءة والفهم يعني التجديف والتحريف.. ويعني ما يسميه المفكر الجزائري/ محمد اركون، في عبارة لافتة «الجهل المؤسس» ومن ثم تعميم هذا الجهل عبر ثقافة الأذن.. والسماع التي لا ترتكز إلا على النقل.. والنقل فقط، دون الانتقال من مرحلة النقل إلى مرحلة العقل النقد.
(3)
لم أجد أمامي عندما أرى ظاهرة الجهل المؤسس.. غير نموذج المثقف المضيء.. والملتزم بجلال الموقف ونظافة الممارسة ذلك هو الغائب الحاضر مهدي عامل الذي خصص كتاباً أسماه «نقد الفكر اليومي» والذي لم يكمل فصوله الأخيرة قبل أن يخترق جسده رصاص الغدر والجبن، لقد شخّص هذا الكتاب تلك الظاهرة ناقداً برؤية الباحث والمفكر للكثير من الآراء والكتابات لأسماء فاعلة في المشهد الثقافي والسياسي اللبناني والعربي وقام بتفكيك وتحليل الكثير من الآراء السريعة التي تحملها كتاباتهم وأضاء الكثير من القضايا والمسائل، التي تدخل عميقاً وجذرياً في راهن مستقبل الوطن والأمة.
في «الفكر اليومي» نرى كل شيء يقود إلى تفسير الحاضر بالماضي- كما يعبر مهدي عامل تفسير هو في النهاية تفسير غيبي أو أسطوري، ومن هنا تتجلى ظاهرة غياب مجتمع المعرفة الذي تحدث عنه تقرير التنمية البشرية، إذ ليس هناك ذلك المجتمع المعرفي الحقيقي الذي يتأسس عقله على العلم والثقافة والحوار والسجال وليس على الاستخفاف بكل ما له علاقة بالفكر.
إزاء هذا «الفكر اليومي» وغياب «مجتمع المعرفة» نحن بحاجة إلى فكر نقدي، وعقل نقدي كما هو نموذج مهدي عامل الذي قام بتعرية رموز كبيرة، تحت ضوء التحليل النقدي وعبر سلاح الدقة والمتابعة والمعلومة الصحيحة وليس هذا الجهل المؤسس الذي يمتد من ثرثاري المجالس والصوالين إلى الكثير من مدّعي الثقافة والمعرفة، وأنصاف الكتبة هؤلاء الذين هم سادة «الجهل المؤسس» حقاً..
إذن أين هو مهدي عامل «الآخر» ليرينا أخطاءنا وفداحة ما نقرأه ونفكر فيه..؟!
a_faqehi@hotmail.com