الأوضاع المأساوية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي قلّ نظيرها في العالم، ويتمثل ذلك في سياسة الحصار والتجويع، وقمع واغتيال الناشطين وعناصر المقاومة، وقتل واعتقال المدنيين ومن بينهم ممثلو الشعب الفلسطيني من نواب ووزراء، وتدمير المخيمات الفقيرة والمساكن البائسة والبنية التحتية المتهالكة، التي بلغت ذروتها في مجزرة بيت حانون التي ذهب ضحيتها 18 قتيلاً وعشرات الجرحى معظمهم من الأطفال، مما أعاد إلى الذاكرة مجزرة قانا التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية أثناء عدوانها الأخير على لبنان، إلى جانب عشرات المجازر التي ارتكبتها إسرائيل منذ تأسيسها بحق الفلسطينيين والعرب، وكل ذلك جرى ويجري تحت سمع وبصر المجتمع الدولي وهيئاته المختلفة، بما في ذلك مجلس الأمن الذي رفض تبني مشروع قرار عربي يدين المجزرة الإسرائيلية، ويدعو إلى نشر قوة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار مع أن الجانب العربي قدم تنازلات مهمة على صعيد تخفيف الإدانة لإسرائيل، غير أن حق النقض الأمريكي كان بالمرصاد لإجهاض القرار. والجدير بالذكر أن المرة الأخيرة التي استخدمت فيها الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) كانت في شهر يوليو الماضي، وأيضا ضد قرار تقدمت به قطر (بصفتها عضو غير دائم في مجلس الأمن) باسم المجموعة العربية يدين العدوان الإسرائيلي على غزة واستخدام « القوة المفرطة» ويطالب بوقف العمليات الإسرائيلية في القطاع، وقد بررت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس هذا الموقف الرافض للقرار، والأدق المتفهم للدوافع والأهداف الإسرائيلية العدوانية بقولها «لأننا لا نعتقد انه يخدم قضية السلام» وأضافت أن «القرار كان سيستخدم الحادث المأساوي في بيت حانون لإبراز أجندة سياسية منحازة» ومن المعروف أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) 82 مرة نصفها لمصلحة إسرائيل أو للدفاع عنها. وإذا كان هذا هو حال المجتمع الدولي فان حال الضعف والشلل والانقسام الذي يسود النظام العربي الرسمي جعله يقف عاجزا حتى عن مد يد العون الإنساني، نتيجة انصياعه لقرار الحصار والتجويع والمقاطعة المضروب على الشعب الفلسطيني منذ قرابة العام، رغم عدم صدور قرار دولي بذلك، ناهيك عن التصدي للعربدة الإسرائيلية التي وجدت غطاء وحماية مباشرة من قبل الإدارة الأمريكية، لمواصلة احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، ومواصلة سياسة الهيمنة والعدوان، على غرار عدوانها الهمجي الأخير على لبنان، إلى جانب وأد عملية السلام التي وصلت إلى طريق مسدود، ودفنت عمليا على كافة المسارات. الرئيس الأمريكي غداة انتخابه أعلن تأييده وسعيه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، غير انه سرعان ما تبنى وجهة نظر ومواقف وأجندة المحافظين الجدد (وخصوصا اثر إحداث

الانقسام الفلسطيني الفئوي الضيق
شجع إسرائيل على مواصلة القمع

11 سبتمبر) الذين أصبحوا القوة الاساسية في إدارته، والمعروف عنهم انحيازهم الكامل والمطلق إلى جانب إسرائيل وذلك بدوافع أيديولوجية وسياسية في المقام الأول.
وإزاء تصعيد إجراءات الحصار والتجويع والاغتيال والقتل وسياسة الاستفراد التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين كنهج عام، وللتغطية على فشلها وهزيمتها في عدوانها الأخير على لبنان، كان المطلوب وضع حد لحال الانقسام والتجاذب، والاحتقان السياسي والاجتماعي الذي يسود الشارع الفلسطيني، والذي وصل ذروته في الاشتباكات المسلحة بين حركتي حماس وفتح التي ذهب ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، مما قد يمهد الطريق لاندلاع حروب فلسطينية –فلسطينية، يكون الشعب الفلسطيني وقودها وضحيتها في الآن معا، وهو ما تسعى وتخطط له إسرائيل لأنه يصب في مصلحتها الآنية والإستراتيجية. ومن المعروف بان حركة حماس شكلت الحكومة الفلسطينية، اثر فوزها في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 يناير 2006، والتي اعتبرت من أكثر الانتخابات التي جرت (ليس في البلدان العربية على كل حال لأنها تعتبر إما ترفاً زائداً عن الحاجة أو أن نتيجتها معروفة سلفا) من حيث النزاهة والشفافية، وفقا لتقارير فلسطينية ودولية محايدة، وبغض النظر عن مدى التوافق أو الاتفاق مع برنامج وأهداف وممارسات حركة حماس (وأنا شخصيا لدي العديد من الملاحظات الاساسية حولها) فإن الشعب الفلسطيني كان يعتريه الإحباط واليأس، من جراء استمرار الاحتلال والاستيطان والقمع والتجويع والحصار والجدار العازل، وحالة التسويف والمماطلة واللامبالاة الإسرائيلية والدولية، في دفع وإنجاح التسوية السياسية وعملية السلام التي دفنت نهائيا، خصوصا مع مجيء حكومة أريل شارون اليمينية في إسرائيل، والتي تزامن معها وصول اليمين المتطرف «المحافظون الجدد» تحت واجهة الحزب الجمهوري إلى السلطة في الولايات المتحدة. لقد عاقب الشعب الفلسطيني حركة فتح كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والممسكة بمرافق الحكومة والسلطة الفلسطينية، والجهة التي أبرمت اتفاقيات أوسلو (سبتمبر 1993) مع الجانب الإسرائيلي، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في بلورة وتحقيق أهداف الفلسطينيين في الحرية والعدالة والاستقلال الحقيقي والناجز، وركونها إلى التطمينات والتعهدات الأمريكية والدولية، التي تبين أنها مجرد طنطنة وسراب، ناهيك عن الاتهامات الموجهة لقيادات ومسؤولين في السلطة الفلسطينية السابقة، بضلوعهم في عمليات فساد مالي وإداري، ورشوة واستغلال للسلطة والنفوذ لأغراض ومصالح فئوية وشخصية. واللافت هنا هو المعايير والخطابات المزدوجة التي يستند إليها الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ومدى ملاءمتها لمصالحهم واستهدافاتهم الإستراتيجية، فمن جهة هناك الدعوات المطالبة بتعميم قيم ومفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وخصوصا في المنطقة العربية التي يرون انه يسودها الاستبداد والقمع والفساد وانعدام حقوق الإنسان، وربما كان هذا صحيحاً إلى حد ما، غير أنهم لا يبدون أي انسجام في مواقفهم، حين يتسنى أن تكون النتائج لا تتفق مع تطلعاتهم ومصالحهم، لذلك كان الموقف من فوز حركة حماس حادا وعنيفا، ولا ينسجم مع مواقفهم المعلنة في احترام الخيارات الحرة للشعوب، فقد سارعوا إلى فرض عملية مقاطعة وحصار اقتصادي وسياسي رهيب على السلطة والحكومة المنتخبة، وكان الشعب الفلسطيني هو ضحيته المباشرة، والمفجع هو رضوخ النظام العربي الرسمي، وانخراطه في هذا الإجراء الظالم والجائر. وإزاء مواجهة هذه التحديات المصيرية، كان ينبغي على كافة الأطراف الفلسطينية سواء في داخل السلطة والحكومة أو خارجها ،العمل على القراءة الصحيحة للأحداث، ولمواقف الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة والمؤثرة على الوضع العام الفلسطيني، وبالتالي التصرف بشعور عالٍ من المسؤولية الوطنية والأخلاقية والإنسانية، وبخاصة لجهة التأثير الخطير على قوت ومعيشة الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، ومن هنا نشأت الحاجة الموضوعية لتماسك الجبهة الداخلية، وتمتين الوحدة الوطنية بين المكونات والفعاليات السياسية والشعبية كافة وبدون استثناء لأحد، الأمر الذي يتطلب إقامة حكومة وحدة وطنية تعكس إرادة وموقف الشعب الفلسطيني الموحد، حول ثوابته الوطنية في جلاء الاحتلال من كافة الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس الشرقية، وإقامة الدولة الديمقراطية المستقلة، وتنفيذ القرارين الدوليين 242 و338 وكذلك قرار 194 المتعلق بحق العودة أو التعويض بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في الشتات، كما يتطلب اعتماد برنامج جذري للإصلاح الديمقراطي الشامل، على صعيد السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتهما، غير أن الانقسام والتنافس الفلسطيني وتغليب المصالح الفئوية الضيقة، مسنوداً بانقسام وشلل وضعف عربي مماثل، أعطت المجال لإسرائيل كي تواصل سياساتها القمعية، وتنصلها من عملية السلام، بحجة رفض حماس الاعتراف بها، وبالاتفاقيات المبرمة بين إسرائيل والسلطة، علما بأنها هي المسؤولة مباشرة عن اضعاف ومحاصرة السلطة والحكومة الفلسطينية إبان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي تزداد الدلائل على ضلوعها في قتله عن طريق دس السم في طعامه، ونفس هذه السياسة استمرت مع خليفته محمود عباس. وأخيرا لابد من التقييم الايجابي للقرارات التي نجمت عن الاجتماع الطارئ الأخير لوزراء الخارجية العرب، وخصوصاً الدعوة إلى كسر الحظر والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وانتقاد موقف الإدارة الأمريكية لاستخدامها الانفرادي حق النقض ضد المشروع العربي، وكذلك الدعوة العربية إلى عقد مؤتمر دولي عاجل لمناقشة وحل كافة جوانب الصراع العربي الإسرائيلي. إننا إذ نثمن هذه القرارات الايجابية، فإننا نتطلع إلى ترجمتها على ارض الواقع، وهو ما يتطلب استعادة التضامن والتنسيق وتقوية وتطوير العمل العربي المشترك في المجالات كافة.