« يعلم الجميع منذ عشرات السنين، أن الأفكار المسبقة والمصلحة الشخصية والمطامع السياسية وخصوصا هم إعادة انتخابهم تمنع أصحاب القرار من الأخذ بعين الاعتبار ببعض المعلومات التي لا تريد سماعها وقد قبلت غالبية كبار الموظفين ( الأمريكيين ) هذا النوع من القيود وأقرت بأنه يجب على الذين يتخذون القرار أن يبحثوا في المعلومات عما يخدم أهدافهم قبل أي شيء آخر وعلى هذا الأساس قام المسئولون السياسيون بخياراتهم ليس فقط لثقتهم بحكمهم الخاص لكن لتنفيذ برنامجهم أيضا فقلة من كبار الموظفين في المخابرات يعتبرون أن معلوماتهم قادرة على منع الاستمرار في سياسة سيئة وخطيرة وقد أضافت قضية العراق إثباتا جديدا على ذلك «غابرييل كولكو مؤرخ أمريكي ومؤلف كتابي زمن الحرب وقرن آخر من الحرب».
هذا المقتطف الطويل الذي استعرضته نظرا لأهمية الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث في معرض مقاله المعنون من فيتنام إلى العراق، وفيه يستعرض التجربة الأمريكية في فيتنام ويقارنها مع العراق، مع تأكيده على التمايزات والاختلافات الثقافية والسياسية بين العراق وفيتنام، وكذلك الوضع الجغرافي الاستراتيجي المختلف بينهما. غير انه يؤكد بأن التعامل مع الحالة في العراق كان مشابها من أوجه عديدة أسلوب وشكل التعامل مع الحالة الفيتنامية، وهو يعزوها إلى أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لطالما تبلورت بهذا الشكل، ويصل الكاتب إلى نتيجة دالة هي « ما يجري في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو أكثر حسما من الاعتبارات العسكرية وكان الأمر صحيحا بالنسبة لفيتنام ( مع وجود نصف مليون جندي أمريكي ) في العام 1975 ولا يزال كذلك بالنسبة للعراق فإما أن يتحقق النصر في الحرب على الصعيد السياسي وإما لا يتحقق» إذا وضع العراق يماثل وضع فيتنام فالرأي العام يبدأ في التحرك حين يشعر بان هناك تزييفاً واضحاً للحقائق، وهو في الحالة العراقية الادعاءات بشأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ولعلاقة مزعومة للنظام العراقي مع منظمة القاعدة الإرهابية، وينتهي به الأمر إلى عدم تصديق كلمة واحدة مما تقوله الحكومة، وهكذا تحرك الرأي العام والشعب الأمريكي واسقط حكومة الديمقراطيين ( جونسون ) في انتخابات 1968، وربح نيكسون

انحدر المحافظون الجدد بسمعة
أمريكا إلى مستويات متدنية لا سابق لها

لأنه وعد بالسلام المشرف وإنهاء الحرب، غير أن الحرب في الواقع استمرت لسبع سنوات عجاف إضافية، لم يستطع الجيش الأمريكي خلالها من تحقيق أي شيء سوى خسارة أكثر من خمسين ألف قتيل أمريكي، أما فيتنام فقد فقدت قرابة مليون قتيل، إلى جانب الدمار الرهيب الذي لا تزال آثاره باقية حتى اليوم واضطرت الولايات الأمريكية إلى الخروج من سايغون ( 1975 ) التي دخلها ثوار الفيتكونغ وغيروا اسمها إلى «هوشي منه» وبدأت تترسخ ما بات يعرف «بعقدة فيتنام» وما أشبه اليوم بالبارحة فالنجاح المدوي الذي أحرزه الديمقراطيون في الانتخابات النصفية لمجلس الكونغرس على الجمهوريين، كان يمثل رد فعل الشعب الأمريكي الذي شعر بالتضليل وفقد ثقته بالجمهوريين، وسياسات وممارسات المحافظين الجدد الذين اختطفوا السياسة الخارجية الأمريكية، وانحدروا بسمعة ومصداقية الولايات المتحدة لدى الرأي العام العالمي، وخصوصا لدى الشعوب العربية والإسلامية إلى مستويات متدنية لم يسبق لها مثيل. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يملك الحزب الديمقراطي أجندة بديلة وإذا افترضنا انه يملك هذه الأجندة هل هو قادر على فرضها وتمريرها مع وجود الإدارة الأمريكية والرئيس جورج بوش على وجه الخصوص ؟ الرئيس الأمريكي فهم جيدا رسالة الشعب الأمريكي وما قرار إقالة أو استقالة دونالد رامسفيلد الذي أعلن ثقته وتمسكه به حتى اللحظة الأخيرة، سوى مؤشر على استيعابه عمق التبدلات السياسية لدى الرأي العام، والتغير الحاصل في موازين القوى الذي يميل لصالح الديمقراطيين بصورة واضحة، ولكن كما هو معروف فإن الرئيس الأمريكي هو صانع السياسة الخارجية ،وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، غير أن الدستور الأمريكي يقسم السلطة العسكرية بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فالكونغرس يمتلك سلطة إعلان الحرب وليس بمقدور الرئيس إعلان الحرب على أية دولة دون موافقته، لكن هذا لا يعني عدم قدرته على القيام بأعمال عسكرية هجومية، مثل احتواء أعمال ومخاطر عدائية محتملة أو الرد عليها، وهو في هذه الحالة لا يحتاج إلى الرجوع إلى مجلس الكونغرس، غير ان الكونغرس يمتلك في المقابل صلاحية اعتماد الموازنة المالية، واعتماد الأموال والتمويل اللازم للإنفاق على الميزانية العسكرية وتمويل عمليات القوات المسلحة، وكذلك صلاحية استجواب المسئولين، وتشكيل لجان التحقيق حول المخالفات المالية والانتهاكات الأخلاقية إلى جانب تثبيت كبار الموظفين والمسئولين والقضاة، وإزاء الحالة العراقية من الواضح بان الديمقراطيين لن يطرحوا مشروع الانسحاب الفوري من العراق لان ذلك يعني الإقرار المسبق بالهزيمة الأمريكية، وهم ليسوا في وارد ذلك، إنهم يتطلعون إلى تسوية ما، وهو ما أكدته نانسي بيلوسي الرئيسة الديمقراطية الجديدة لمجلس النواب أثناء لقائها مع الرئيس بوش حيث صرحت « إني أتطلع إلى العمل مع بوش وأنا مدركة للاختلافات بيننا كما إني اعترف بأننا سنتنازع من اجل مصلحة البلاد» وعلقت ببلوسي على رحيل رامسفيلد انه « مؤشر إلى تغير في العراق آمل أن يكون للأفضل» وضمن هذا السياق ذكر الجنرال بيتربيسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، إن القادة العسكريين « يعدون للتوصية بإدخال تغيرات على الإستراتيجية في العراق» ويبدو أن هناك توافقا جمهورياً/ ديمقراطياً حول دراسة توصيات اللجنة المشتركة ( 10 أعضاء مناصفة بين الديمقراطيين والجمهوريين ) والمعروفة بـ«لجنة دراسة العراق» التي يرأسها جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق في عهد الرئيس جورج بوش الأب، والسناتور الديمقراطي السابق لي هاملتون، والجدير بالذكر إن وزير الدفاع الأمريكي الجديد روبرت جيتس هو عضو في هذه اللجنة، والمعروف عنه بأنه ينتمي إلى المحافظين التقليديين ،ومن الذين عملوا في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، حيث كان يشغل منصب مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية. شكل خروج رامسفيلد ضربة قوية للمحافظين الجدد ويبدو أن رؤوس (أخرى) من المحافظين قد أينعت وحان قطافها، ويأتي في مقدمتها جون بولتون، وهو احد صفوة المحافظين الجدد، وقد عينه الرئيس جورج بوش قبل أن ينال موافقة الكونغرس السابق على تعيينه سفيرا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، غير انه لا يحظى بثقة وموافقة الديمقراطيين وسيتعين عليه الرحيل عاجلا أم آجلا. الشيء الأكيد أن توجهات وسياسات المحافظين الجدد في اعتماد سياسة القوة والهيمنة والتفرد، قد أصيبت في مقتل مع هزيمة الجمهوريين وانتصار الديمقراطيين، وهو ما يوفر الأرضية الملائمة للحلول السياسية الواقعية ليس للقضية العراقية فقط، وإنما لمجمل قضايا المنطقة المعقدة والخطيرة وفي مقدمتها قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي.