غزاةٌ أم فاتحون.. مقاومون أم إرهابيون ؟
نجح الديموقراطيون في الانتخابات التشريعية التي أُجريت يوم الثلاثاء الماضي في الولايات المتحدة، باستعادة السيطرة على الكونجرس، بمجلسيه، من الجمهوريين، بعد سيطرة جمهورية على الكونجرس امتدت 12 عاماً. الملاحظ في تلك الانتخابات أن القضية الرئيسية فيها، كانت: قضية الوجود العسكري الأمريكي في العراق. ساعد على ذلك تزايد سقوط الضحايا من الجنود الأمريكيين، الذي تجاوز الشهر الماضي المائة جندي، في أسوأ حصيلة للضحايا الأمريكيين في العراق، منذ أكثر من عام. الرئيس الأمريكي ( جورج بوش ) في خطابه يوم الأربعاء الماضي اعترف بأن قضية العراق، كانت وراء هزيمة الجمهوريين في الكونجرس.. وقدم وزير دفاعه المثير للجدل ( دونالد رامسفيلد ) كبش فداء لـ «خطيئة» التورط في العراق.. وفي ما يسمى الحرب على الإرهاب، بصورة عامة.
نادراً ما تثير قضايا السياسة الخارجية الناخب الأمريكي، وبالتالي قليلاً ما تستهوي المرشحين للانتخابات، على مستوياتها المختلفة المحلية والفيدرالية. القضايا المحلية، التي لها علاقة بشؤون الاقتصاد: الضرائب والتضخم والبطالة.. والحريات العامة.. وحقوق المرأة.. وحقوق الأقليات.. والتأمين الصحي.. والتعليم.. ورعاية المسنين.. ومصالح المتقاعدين.. والوظيفة الاجتماعية للحكومة، بصورة عامة... بل وحتى قضايا أخلاقية ودينية، مثل: الإجهاض.. والطلاق.. وزواج المِثْلِيين.. وحالياً: أبحاث الخلايا الجذعية، هي ما تثير ( عادةً ) اهتمام الناخب الأمريكي، بعيداً عن قضايا السياسة الخارجية.
ولكن، ما نلاحظه في انتخابات هذا الخريف التشريعية، بروز قضية الوجود الأمريكي في العراق.. والنزعة القتالية لدى الجمهوريين الجدد، سواء في البيت الأبيض أو الكونجرس، بصفة عامة، لتطوير توجه أكثر عنفاً في حركة السياسة الخارجية الأمريكية. حتى إن هذه القضية أضحت هي المعيار الأول لقياس توجه الهيئة الناخبة الأمريكية، من حيث رضاها أو عدم رضاها عن أداء إدارة الرئيس الأمريكي، وكذا الكونجرس الجمهوري الحالي.. وبالتبعية، إمكانية سيطرة الديموقراطيين على الكونجرس القادم، من جديد، تمهيداً لاحتمال خروج الجمهوريين من البيت الأبيض، بعد سنتين.
إلا أنه، من ناحية أخرى، يُلاحظ أن هناك تركيزاً على السياسات، وليس على أداء وواجب المؤسسة العسكرية، بالذات على مستويات الجنود والضباط الصغار في مسرح عمليات المواجهات شبه اليومية، في العراق. بمعنى: أن المشكلة هنا سياسية، وليست أخلاقية. مازال الجمهور الأمريكي يعتقد أن الجنود الأمريكيين، في أعالي البحار، سواء في القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم.. أو في مناطق العمليات

الأمريكيون ينظرون لجنودهم على أنهم
يحفظون توازن النظام الدولي ولو بالقوة

العسكرية الساخنة، مثل ما هو الحال في العراق وأفغانستان، إنما يقومون بواجب «مقدس» في خدمة مصالح الولايات المتحدة العليا والذود عن أمنها القومي، يستحقون معه مؤازرة وتبجيل وامتنان جميع الأمريكيين.
الناخب الأمريكي، يمكن أن يقبل المبررات التي تقدمها الحكومة للتورط في عمليات عسكرية، في أعالي البحار، مهما بلغت مستويات صِدقيتها أو الشك في نوايا جدل نُبْلِها. ولكن، عندما تتعثر حركة السياسة الخارجية، في شكلها القتالي العنيف، ويبدأ الشعب يشعر بوطأة التورط العسكري الأمريكي، في أية منطقة من العالم، مثل العراق.. ويتوالى شحن توابيت الضحايا من الجنود الأمريكيين إلى ديارهم وأهليهم، خاصة عندما لا يلوح في الأفق بوادر لحسم عسكري، يبدأ السياسيون المحترفون بـ «تسييس» القضية، دون الوقوع في المحظور: التعرض لكرامة ومعنويات الجنود الأمريكيين، الذين «يضحون» بأرواحهم، في ساحات الوغى، من أجل خدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.. والذود عن أمنها القومي.
هناك في الثقافة الأمريكية ازدواجية معايير تخلط في بوتقتها قضايا السياسة مع قيم الأخلاق. الشعب الأمريكي، يمكن أن يتسامح مع الحكومة الأمريكية، في مسائل مغامراتها الخارجية، ولكن بأقل تكلفة مادية ومعنوية ممكنة...!؟ بمعنى: الشعب الأمريكي يمكن أن يتجاوز عن مخالفات المؤسسة العسكرية الأخلاقية لإدارة معاركها في الخارج، إلا أنه لا يتهاون في ارتفاع تكلفة تلك المغامرات العسكرية، الإنسانية والاقتصادية، محلياً. المؤسسة العسكرية، على سبيل المثال: استطاعت أن تمتص صدمة إساءة معاملة المعتقلين العراقيين، في سجن أبو غريب.. والبيت الأبيض، استطاع أن يدافع عن مسألة معتقل جوانتنامو، إلى الآن... ولكن، عندما بدأت تكلفة الوجود الأمريكي في العراق، وكذا فاتورة الحرب «العالمية» التي تشنها الإدارة الأمريكية على ما تسميه الإرهاب بالارتفاع، بدأ الشعب الأمريكي يسمح بتسييس القضية، وجعلها مادة انتخابية أولية، ولكن دون المساس بشرف ومكانة العسكرية الأمريكية، على مستوى الجنود في الخارج، الذين لا تجب مساءلتهم عن أخطاء قادتهم في البنتاغون.. أو تجاوزات القائد الأعلى لهم، في البيت الأبيض.
في النهاية: الشعب الأمريكي ينظر لجنوده المنتشرين حول العالم، بأنهم حماة أمن الولايات المتحدة.. ورعاة مصالحها العليا، كقوة عظمى من أهم مسؤولياتها: حفظ توازن النظام الدولي.. وكذا نشر قيم الحرية والديموقراطية، التي يعتز بها المجتمع الأمريكي، بالقوة إذا لزم الأمر. في كلمة واحدة: الجنود الأمريكيون في أعالي البحار، بغض النظر عن تمسكهم بقيم العسكرية النبيلة وشرف المهنة العسكري، هم في نظر الجمهور الأمريكي: فاتحون وليسوا غزاةً...!؟ أي تجاوزات يرتكبونها في ساحة الوغى.. أو أي إخفاق يواجهونه في القيام بمهامهم العسكرية، في مسرح عمليات معاركهم، يتحمل وزره الساسة وقادتهم العسكريون الكبار، وليس هم.
ترى هل هذه المكانة لـ «الجندية»، في ثقافة الشعوب الأخرى، عند إدارة حركة العنف، في مواجهة قوى الغزو والاحتلال، مازالت متواجدة. لقد نجح «طغيان» القوة الأمريكية الكونية.. ونفوذ السياسة الخارجية الأمريكية الطاغي في حركة السياسة الدولية، في أن تعيد «ثقافات» الشعوب الأخرى صياغة تعريف مفاهيم قِيَمِيَة، كانت سائدة تاريخياً وثقافياً في مجتمعاتهم، مثل: الاحتلال.. والمقاومة.. والدفاع عن الأرض.. والذود عن السيادة.. والقتال من أجل الحرية وتقرير المصير.. ورفض الوصاية الدولية، على إرادة الشعوب الحرة، ليَتِمَ اختزال، كل ذلك، في كلمة واحدة ( الإرهاب ). كثيرٌ من وسائل الإعلام العربية تطلق على ما يحدث من رفض عنيف للوجود الأجنبي في العراق، على أنه إرهاب... وفي أفضل الأحوال، تطلق عليه تمرد.. وتتردد كثيراً، في وصفه على أنه مقاومة مشروعة للاحتلال..!؟ وقس، على هذا مواقف الكثير من سياسات حكومات المنطقة، تجاه ما يحدث من عنف في العراق، سواء كان مصدره الأمريكيين أو العراقيين.
هذا ليس على مستوى حركة العنف الأمريكي، في المنطقة.. ولكن، على مستوى دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، أيضاً. في الحرب الأخيرة على الجبهة الإسرائيلية اللبنانية، تطورت مفردات في الخطاب الإعلامي والسياسي العربي، غير تلك التي واكبت حروب العرب مع إسرائيل، في الماضي. الكثير من وسائل الإعلام ومؤسسات السياسة الخارجية العربية تَحَرّجت من إطلاق صفة العدوان، على حركة آلة الحرب الإسرائيلية الطاغية، ضد لبنان. في أفضل الأحوال كنا نسمع مصطلح الحرب على لبنان.. وفي معظم الأحيان كنا نسمع مصطلح الحرب الإسرائيلية اللبنانية..!؟
في قاموس السياسة والإعلام العربي ( الرسمي )، أضحى الأمريكيون فاتحين، وليسوا غزاةً.. ومقاومتهم، إرهاباً أو تمرداً..!؟ في الوقت الذي بدأ الشعب الأمريكي، يراجع الحكمة السياسية والأمنية وراء إرسال الجنود الأمريكيين للموت في منطقة الشرق الأوسط الخطرة.. ويشرعون في محاسبة زعمائهم السياسيين وقادتهم العسكريين، على عجزهم عن حسم قضية الوجود العسكري الأمريكي، في بلد دخلوه كـ «الفاتحين» ليعاملوا، من أول يوم لدخولهم إليه كالغزاة، من قبل الشعب العراقي.
عِشْ رجباً تَرَ عجباً..!؟