إن «مستوى» تحليل «الواقع» العربي الراهن – بصفة عامة، ومجردة – أو اى واقع سياسي آخر, عربي أو غير عربي، يمكن أن يقوم على عدة «أسس»، مختلفة... منها (على سبيل المثال لا الحصر): هل هو «الشعوب» أم «الحكومات» العربية، أم «جماعات» عربية معينة، أم جزء من هذا وذاك...؟!.
ويراهن الباحثون (الموضوعيون) على وجود «فروق» جوهرية... في كل مستوى، بالنسبة للآخر. فإن اعتمد مستوى الحكومات، فإن نتيجة ومعطيات ذلك التحليل ستكون –في الغالب– مختلفة، عن نتيجة التحليل فيما لو كان (مثلاً) مستوى الشعوب العربية هو «الأساس»، وهكذا.
ويرجع أولئك المراقبون هذه الاختلافات – الجوهرية، في كثير من الحالات – إلى: وجود « فجوة» (البعض يقول هائلة) – تتجسد في قضية «عدم التمثيل» التام – بين معظم الحكومات، وكثير من الشعوب التي تديرها. فما قد تراه الاولى صالحاً، قد يكون طالحاً في حسابات الثانية. والعكس صحيح، بالطبع. وذلك هو جوهر الأزمة السياسية العربية الراهنة – كما يرى هؤلاء.
وفي البلاد التي لا توجد فيها تلك الفجوة، وبذلك الاتساع الهائل أو الكبير (ومنها قلة من البلاد العربية) يكاد ينعدم «الاختلاف» بين حسابات الحكومات والشعوب. فما تراه الشعوب صالحاً، لابد أن تراه الحكومات كذلك. وما تراه طالحاً، على الحكومات أن تعتبره كذلك... وإلا فقدت «شرعيتها»؟! لذلك، يتواجد «الرشد» –غالباً- في السياسات العامة، أو هكذا يجب، في هاتيك البلاد.
لقد حلت معظم بلاد العالم هذه الإشكالية – بأساليب منطقية وعلمية معروفة – وانحسرت الفجوات في تلك البلاد (وانتفى الاختلاف بين حسابات الطرفين) حتى لتكاد أن تنعدم الفروق (الفجوات )... وإن وجدت مرحلياً ومؤقتاً،

كثيراً ما يضيع صوت العقل بين تلك الطروحات
وتتوه الأمة ويزداد عناؤها ويسوء مستقبلها

في بعض الحالات والظروف. أما غالبية البلاد العربية، فمازالت – كما يبدو - حبيسة لتلك الإشكالية الخطيرة، لأسباب ذاتية وخارجية (و تاريخية ونفسية) معروفة.
وأما على مستوى كثير من الجماعات (المتنفذة) في عالمنا العربي – ومايمكن أن نشير إليها بالأحزاب وجماعات الضغط، أو المصالح – فإن لمعظم تلك الجماعات طروحات (أو اجتهادات)... يدعى كل منها أنه سيخرج الأمة من هذه الإشكالية المدمرة. وبعض هذه الجماعات تعكس فعلا رأيا شعبيا عاما ايجابيا و راسخا. ولكن البعض الآخر من هذه الجماعات –ومن حيث يدري أو لا يدري– له طروحات لو اخذ بها لتغيرت الشعارات فقط... أما القيود والمشاكل، فقد تزداد صلابة وقوة ومنعة وتفاقما.
وكثيرا ما يضيع صوت العقل بين هذا الطرح الفاشستي، أو ذاك، وتتوه اغلب الأمة... ويزداد عناؤها، ويسوء مستقبلها، إلى أن يأذن الله بأمر رشد، يخرجها من هذه الظلمات، إلى بر الأمان، ونور اليقين.
وهناك «مستويات» أخرى للتحليل، منها: مستوى «ماهو كائن»... ونقيضه –أو مقابله– مستوى «مايجب أن يكون». الأول يركز على: مايجري –وسيجري– بالفعل... على يد «الأطراف» الفاعلة الأهم، في الساحة المعنية. أما مستوى «مايجب أن يكون»، فيعني: أن ينظر الباحث –أو المحلل أو المراقب– إلى «واقع» ما معين (ملماً بما هو كائن عليه بالفعل)... ثم يحاول – بناء على مبادئ ومنطلقات معينة, وقدرة فكرية خلاقة – أن يوضح ما ينبغي أن يكون عليه ذلك «الواقع»... بأمل تحسينه.
وعندما نطبق ذلك على معظم الأمة العربية وواقعها العام (السياسي) الحالي، نجد أن بإمكان الباحث – أو المحلل – أن ينظر إلى ذلك «الواقع» من منظار «ماهو كائن»... وإن فعل، فإنه سيقول لنا: من «عمل» ماذا، ولماذا، وكيف وأين ومتى... وماذا كان «رد الفعل».... وما الراجح أن يعمل، وماهي ردود الفعل المحتملة عليه... إلخ، من دوامات الأخبار الحالية، السيئ والرديء غالبها، شكلاً ومضموناً.
هنا، سنجد أن «س» – مثلاً – سيعمل كذا، بينما يعمل «ص» كذا. أما «ج» فسيكون رد فعله كذا... ومن هذه الصورة، سيرى الحصيف أن معظم هذه الأفعال، وردود الأفعال – إن لم يكن كلها – قائم على حسابات «مصالح» كل طرف... تلك المصالح التي كثيراً ما تكون مناقضة لمصالح معظم الشعوب المعنية. فلا عجب، إذن، أن يتمخض عن أغلب «ماهو كائن» (في الواقع العربي) المزيد من الضعف والغبن والهوان لهذه الأمة. ومن العبث أن يتوقع العقلاء غير ذلك. بل إن من السذاجة أن يتوقع المرء «صلاح» معظم أمور الناس العامة، في ظل ذلك «الواقع» المصلحى.
كل هذا كثيرا ما يقود المفكر – أو المراقب – العربي النزيه، والذي يهمه حاضر أمته، ومستقبلها، إلى: البحث عن تجاوز ذلك «الواقع»، وتخطيه، فكرياً، تمهيداً لإضعافه، وعزله. وهنا أيضاً نجد ذلك الباحث يتجه (تلقائياً) إلى مستوى «مايجب أن يكون». وفي هذا المستوى، نجد عشرات الأطروحات... التي يزعم كل منها بأنه «المخرج»، من ذلك الواقع (المزري)، وكل منها «اجتهاد».... يستحق بعضها الدراسة والحوار. ومع ذلك، فإن هناك «وصفة» علمية وموضوعية راسخة، يقدمها أغلب علماء السياسة والفكر العرب – وغير العرب – كمضمون لـ «ماينبغي أن يكون» عليه حال (الواقع) العربي – بصفة عامة - في القرن الواحد والعشرين، وما بعده. وعن هذه «الوصفة» قد نتحدث، في مقال قادم.