من الصعب أن تجد بيتا في بلدنا إلا وتكون قد دخلته ماريا... من سلاطين إلى وزراء إلى تجار وموظفين... حتى محافظ «الغلابة» لم تخل منها... وفى الواقع فقد دخلت بيوتنا وخزائن حكوماتنا لمئات السنين بدون أن نعطيها حقها من التفكير والتأمل... وكان وجهها الأكثر رواجا والأكثر شهرة في العالم بأكمله لأكثر من مئتي سنة، وفى منطقتي الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بأكمله من مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى القدس إلى سوماطرا شرقا ومراكش غربا واسطنبول شمالا وعدن جنوبا مثلت الإبداع في الفن والدقة... ولكن الأهم من ذلك أنها مثلت إحدى أعلى درجات الثقة... كانت هذه العملة المعدنية العجيبة تحتوي على 83.333 في المائة من الفضة النقية... قطرها يعادل حجم ساعة المعصم الكبيرة... يعنى قطرحبة لدو مواصفات «أبو نار» تقريبا... أي حوالي أربعة سنتيمترات ووزنها يبلغ ثمانية وعشرين جراماً..أي ما يعادل حبة تمر سكرية كبيرة تقريبا... واشتهرت في بلدان مختلفة بأسماء عجيبة ومنها «الجنيه النمساوي» و»الجنيه الأفرنجي» و»الريال النمساوي» و«الفرنصي» (بالصاد) و»أبو مدفع» ولكنها أولا وأخيرا ورسميا وحسب

استخدمت عملة التولار الألمانية حتى
تأسيس أمريكا التي حولتها إلى دولار

ما كتب على العملة باللاتينية كانت ماريا تيريسا «بارادة الله امبراطورة الرومان، وملكة المجر وبوهيميا (فى ألمانيا)»... شغل ثقيل... وهناك المزيد فعلى الجانب الآخر من العملة تجد أنها أيضا دوقة النمسا، ودوقة إقليم برجندي في فرنسا، وإقليم تيرول في ألمانيا»... ولكي تشعر بأنك تتعامل مع عملة ملكية فعلا كتب على طرفها «العدالة والرحمة» JUSTITIA ET CLEMENTIA وكأنها رسالة الإمبراطورة ماريا الشخصية لك لتطمئن أن الدنيا بخير... وكانت ماريا أول سيدة ترث عبء الإمبراطورية النمساوية الواسعة النطاق عام 1740 ولكنها أثبتت جدارتها فحافظت على الحكم لهذه المناطق الأوربية المترامية الأطراف ولكنها أثبتت جدارتها في بعض الأمور الأخرى فقد أنجبت وزوجها فرانزس ستيفنس ستة عشر طفلا منهم إحدى عشرة بنتاً... وكلهم سمتهم ماريا... ماريا إلزابيث... ماريا أنا... ماري كارولينا... ماريا جوزفا... وهكذا... شيء يجيب الجنان في البيت... ما علينا... وأشهرهم كانت ماريا أنطوانيت التي تزوجت لويس السادس عشر وتربعت على العرش الفرنسي إلى أن فقدت رأسها أثناء الثورة الفرنسية... ونسأل الله السلامة... وسبحان الله أن هذه العملة الفضية قد غيرت من تاريخ العالم فقد كانت تدعى «التولار» Thaler نسبة إلى أحد أهم أقليم انتاج الفضة في ألمانيا واستخدمت في أمريكا إلى تأسيس الولايات المتحدة ثم تم تحويل الكلمة من تولار إلى دولار... السبب أن الأمريكان لم تعجبهم الهيمنة الأوربية بالرغم أنهم استخدموا العملة الملكية الأسبانية وكانت شهرتها الريال Real ومعناها بالأسبانية «الملكي»... يعني مثل فريق «ريال المدريد» الشهير لكرة قدم.
أمنيــــة :
تخيل أن الحكومات النمساوية أصدرت حوالي أربعمائة مليون ماريا تيريسا خلال المائتين وخمسين سنة الماضية ومعظمها لم يستخدم في النمسا، ولا تزال حكومة النمسا الحالية تصدر هذه العملة النقدية العجيبة... والحمد لله أننا نتعامل بعملتنا من وإلى وطننا يوميا بالرغم أن الريال اسمه مستورد من الأسبانية... أتمنى أن نتذكر أن كل يوم في الأراضي الفلسطينية يتم التعامل بما يعادل بلايين الريالات بالشيكل الإسرائيلي الجديد الذي يساوي حاليا تسعين هلله تقريبا... ولا تربط إخواننا الفلسطينيين اية صلة بالعملة التي تصلهم بأرزاقهم أي صلة وطنية كما كان الحال مع الماريا تيريسا... اللهم أرفع عنهم الظلم والعناء
والله من وراء القصد.