المحافظون الجدد.. الإمبراطورية على منحدر خطر (3)
الطاقم الأمريكي الذي جاء للعراق في أعقاب الاحتلال وسقوط النظام السابق، حمل معه كتباً ونشرات تدور حول التجربة الأمريكية في كل من ألمانيا واليابان، اثر هزيمة الفاشية الألمانية والعسكراتارية اليابانية، وذلك للاستفادة من الخبرة الأمريكية في البلدين، غير أن من الواضح وكما تبين منذ اليوم الأول للاحتلال، وجود نقص فادح في معرفة طبيعة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والأثنية والمذهبية المعقدة في العراق، إلى جانب الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إدارة الرئيس جورج بوش منذ البداية، حين عين الجنرال جي غارنر حاكما عسكريا للإدارة المدنية في العراق، والمعروف عنه بأنه جنرال صهيوني وصديق لـ بول وولفيتيز احد صقور المحافظين الجدد، وقد سبق له أن وقع مع 62 ضابطاً آخر على عريضة من قبل « المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي» تمدح إسرائيل «على كبح جماح ذاتها أمام العنف الواضح لزعماء السلطة الفلسطينية» وقد كتب «إسرائيل القوية هي ركيزة يمكن للمخططين العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة الاتكال عليها» ومن المعروف بأن هذا الجنرال (وفقا لما ذكره داعية السلام الإسرائيلي أوري أفنيري) تحول بعد اعتزاله من الجيش في عام 1997 إلى مقاول عسكري في مجال الصواريخ، وقد تعاقد البنتاغون مع شركته لتلبية العديد من الطلبيات بدون أية مناقصة، كما استلمت شركته مناقصة لتزويد إسرائيل (قبل أن يتسلم منصبه في العراق) بنظام صواريخ باتريوت، ويعلق افنيري على ذلك بقوله « ليس هناك من شخص آخر يمكن أن يكون مناسبا لإدارة الحياة المدنية في العراق خاصة في الفترة التي سوف توزع فيها الإدارة طلبيات بمليارات الدولارات على الشركات الأمريكية لإعادة بناء ما هدمه الجيش الأمريكي من اموال النفط العراقي».
لقد فشل هذا الجنرال العسكري (الذي كان يطمح أن يكون دوره في العراق مماثلا للدور الذي لعبه الجنرال الأمريكي ماك ارثر في اليابان) في أداء مهمته بسبب ميوله الصهيونية القوية، وكذلك عدم معرفته والطاقم المرافق له للأوضاع الحقيقية في العراق، وطبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع العراقي وفئاته المختلفة، إلى جانب الأخطاء الفادحة التي ارتكبها، وفي مقدمتها حل الجيش وأجهزة الأمن العراقي الذي

965ر654 حالة وفاة في العراق منذ مارس 2003
إلى يونيو 2006.. أكثر من 600 ألف نتيجة العنف

يضم قرابة مليون جندي (يمثلون مع أسرهم حوالي 20% من الشعب العراقي) وهما في تكوينهما التعددي والمختلط طائفيا ومناطقيا واثنيا، يشكلان احد الرموز والمكونات القليلة لوجود الدولة المركزية الموحدة في العراق، خصوصا في ظل مصادرة النظام العراقي السابق المجتمع السياسي (الدولة) وإنهاء تشكيلات المجتمع المدني بكافة مكوناته السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية، مما سهل إعادة بعث وتقوية الانتماءات والاصطفافات الفرعية والتقليدية في المجتمع العراقي، كالطائفية والمذهبية والاثنية والقبلية. وحين تبين فشل وعجز الجنرال غارنر جرى استبداله بالحاكم المدني بول بريمر الذي سارع إلى تشكيل ما عرف بمجلس الحكم الانتقالي (25 عضوا) وذلك على أسس أثنية وطائفية ومذهبية واضحة، والطريف في هذا التوزيع أن الحزب الشيوعي العراقي المعروف بتعددية وتنوع قاعدته المناطقية والاثنية والمذهبية، وضع سكرتيره العام مجيد حميد ضمن حصة (كوتا) الشيعة، بحكم منحدره المذهبي الشيعي. إذن منذ البداية لم يجرِ التعامل مع الشعب العراقي على أساس انه شعب موحد يحتوي على مكونات وأطياف سياسية واجتماعية وفكرية واثنية ومذهبية وقبلية متعددة ومتفاعلة ومتداخلة، بل جرى التعامل مع هذه المكونات باعتبارها حالات جامدة وثابتة وهلامية، متجاهلين أن معظم القبائل والعشائر في العراق متداخلة مذهبيا وهناك علاقات وصلات نسب وجذور مشتركة وزيجات مختلطة فيما بينهم. لقد أدى الاحتلال الأمريكي وسياساته وممارساته الخاطئة إلى إثارة المخاوف، وتنمية الأحقاد والانقسامات الاثنية والطائفية، كما فشل في تحقيق الأمن والاستقرار، وتوفير الاحتياجات الأساسية للعراقيين، مثل العمل والخدمات الضرورية كالوقود والمياه النظيفة والكهرباء والتعليم والصحة، وقد أظهرت دراسة أعدتها جامعة جونز هوبيكنز بلوميرج الأمريكية للصحة العامة أن 654965 حالة وفاة مبكرة سجلت في العراق منذ مارس 2003 إلى يونيو 2006 وهو ما يعادل 2.5 % من الشعب العراقي، وان أكثر من 600 ألف من هذه الوفيات نجمت عن أعمال عنف. صحيح انه أجريت انتخابات ديمقراطية متعددة في العراق شارك فيها غالبية الشعب العراقي، غير أن الحكومات المتعاقبة ابتداء من الحكومة الانتقالية (أياد علاوي) وانتهاء بالحكومة الحالية (المالكي) التي قامت على أساس المحاصصة الطائفية والاثنية، فشلت وعجزت عن التصدي لحل المهمات والمصاعب الشائكة، على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والخدماتي، ووضع حد لاستشراء الفساد المالي والإداري، وتزايد دور وخطر المليشيات المذهبية والاثنية المختلفة، ومشاركة وضلوع جهات حكومية في دعمها، كما تتزايد المؤشرات والدلائل على انحدار العراق السريع نحو الحرب الأهلية والتقسيم الاثني والمذهبي.
وبعد مرور خمس سنوات من «الحرية الدائمة» في أفغانستان يقدم تقرير «الرؤية الشاملة لأفغانستان عام 2006» الصادر عن البنك الدولي، صورة قاتمة عن الوضع هناك حيث يشير التقرير أن 13% فقط من الشعب الأفغاني يحصل على مياه «آمنة» و6% يحصلون على كهرباء، أما 88% من الأفغان فلا يحصلون على رعاية صحية، وتصل نسبة البطالة إلى 40% ومن أصل ثلاثين مليون أفغاني يعاني سبعة ملايين من الجوع، أما البنى التحتية خاصة الطرق والمدارس، فإن 70% منها مدمر ويحتاج إلى إعادة تأهيل، وكانت النتيجة المباشرة هو تدني متوسط العمر المتوقع للأفغاني إلى 44 عاما، كما تضاعفت زراعة وتجارة المخدرات بكافة أنواعها، وفي الواقع فان العالم بعد حربي أفغانستان والعراق لم يصبح أكثر أمنا على الإطلاق، فنظام كرازاي الحاكم في أفغانستان لا تتعدى سيطرته محيط كابل، أما الحكومة العراقية فان مجالها الأمني لا يتعدى المنطقة الخضراء (مقر الحكومة والبرلمان والسفارة الأمريكية) في بغداد، وقد تسربت اخبار مؤخرا عن إجراء اتصالات ومباحثات أمريكية سرية مع حركة طالبان في أفغانستان، وبعض ممثلي الجماعات (المقاومة) المسلحة في العراق، وقد اعترف الرئيس الأمريكي جورج بوش لأول مرة بأن الأحداث في العراق ربما تثير شجون ذكريات حرب فيتنام لدى الأمريكيين، وقال بوش في لقاء مع شبكة ايه بي سي التلفزيونية «إنه من الصواب مقارنة تصاعد هجمات المتمردين في العراق بحملة تيت عام 1968» التي اعتبرت بداية هزيمة القوات الأمريكية في فيتنام. ومن اجل تحسين الأداء وتقويم الإستراتيجية الأمريكية في العراق في ضوء إخفاقاتها، تشكلت لجنة خاصة تحت رئاسة وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، على أن تقدم توصياتها بعد انتهاء الانتخابات النصفية للكونغرس ومجلس الشيوخ المقرر إجراؤها في شهر نوفمبر الجاري، ومن المتوقع أن يفوز فيها الحزب الديمقراطي حيث تشير الاستطلاعات إلى تقدمهم على الحزب الجمهوري.