أمريكا التي لا نحبها أحياناً
** لم يبق سوى بضعة أيام على موعد بدء الانتخابات التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية وسط توقعات قوية بعودة الحزب الديمقراطي إلى الحكم بعد سنوات جمهورية عاصفة، شهدت الكثير من الأحداث والتطورات غير المسبوقة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية..
** بل إن طبيعة التفكير الأمريكي، شهدت -هي الأخرى- تغييراً جذرياً مس -بفعل تلك السياسات- ثوابت أمريكا الأساسية ومنهجها في الحكم كدولة تُروج وتعمل على ترسيخ الديمقراطية ونشر الحريات في كل مكان من هذا العالم..
** وبدلاً من ذلك.. فإن ما صدر من قوانين وتشريعات أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م سجل تراجعاً كبيراً عن هذا الثابت الهام.. بل إن الولايات الأمريكية المختلفة تحوّلت إلى (ثكنة عسكرية) وحكمتها حالة حذر وتوجس.. لا حدود لها..
** ليس هذا فقط.. بل إن الاقتصاد الأمريكي واجه حالة ركود ضخمة أثرت في بنيته الأساسية وسمحت لدول أخرى بأن تحتل مراكز متقدمة في الهيكل الاقتصادي العالمي..
** وعلى الجانب السياسي والأمني فإن الوضع في أفغانستان والعراق جسّد حالة الضياع وانعدام الرؤية في السياسة الأمريكية المحكومة بعقدة نشر الديمقراطية غير المؤسسة على قواعد صلبة تنطلق من فهم صحيح لطبيعة الشعوب التي اختارتها لتوليد النموذج القابل للتصدير إلى مختلف أنحاء العالم..
** إن هذه الحقائق الثلاث:
** حقيقة الارتباك والتشويش السياسي.
** وحالة الاضطراب والتراجع الاقتصادي.
** والحالة الأمنية المحكومة بالذعر.. والقلق.. والتوجس.. تبدو وكأنها توفر الأرضية الملائمة لتغييرات جذرية.. بدأ الديمقراطيون يبشرون بها إذا ما عادوا إلى البيت الأبيض وأحكموا القبضة على الكونجرس.. وانتشروا في مؤسسات صنع القرار بصورة تمكنهم من إعادة حالة التوازن لأمريكا القلقة.. وأمريكا المرتبكة.. وأمريكا الطموحة في آن معاً..
** ونحن كأمة..
** ونحن كعرب..
** فإنه لا يعنينا أن يبقى الجمهوريون في الحكم.. أو أن يأتي الديمقراطيون إليه مرة أخرى.. وإن ما يعنينا فقط وفقط هو.. كيف تعالج أمريكا مشاكلها (أولاً) وكيف تصحح أخطاءها تجاهنا وتجاه كثير من دول وشعوب العالم (ثانياً).. وكيف تعمل على نشر الحرية والديمقراطية في العالم بصورة عادلة ومتوازنة وعاقلة.. بعيداً عن التدخل في شؤون الدول والمجتمعات.. أو فرض الوصاية أو الهيمنة عليها.. (ثالثاً).. وكيف ترسخ قيم السلام والعدل والأمن والاستقرار في العالم بعيداً عن التحيّز لأطراف دون أخرى.. وقريباً من الدور ومن المسؤولية الأمريكية في العالم كدولة قائدة -كما يُنظر إليها (رابعاً)..
** وبشكل أكثر تحديداً..
** فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تستمر في الاضطلاع بدورها في قيادة هذا العالم.. وكسب احترام شعوبه.. والفوز بتعاونها وتقديرها إن هي انطلقت في سياساتها ومواقفها من رغبة صادقة في إحداث التغيير القائم على الاحترام المتبادل والعون المخلص والجاد للدول والشعوب.. وكذلك للنصح الأمين المتواصل وليس بأية وسائل أخرى.. من شأنها أن تعمق الشعور بالتنافر معها.. أو النفور منها.. والتشكك في صدق نواياها.. والخوف من طموحاتها..
** ذلك أن الحالتين الأفغانية والعراقية تؤكدان أمراً من أمرين:
- الأول: هو القصور في التخطيط الاستراتيجي المنهجي.
- والثاني: هو الغرور والتعالي والعمى السياسي الموسوم بالغطرسة.
** ولا يمكن لأي مراقب أن يتصور بلداً بضخامة الولايات المتحدة يعاني من مشكلة قصور في التخطيط بناء على ما هو متاح لها من أرصدة معلوماتية ضخمة تخدمها أجهزة متنفذة.. حتى يمكن تبرير العديد من الأخطاء الملحوظة في الممارسات الأمريكية في الخارج..
** ولذلك فإن ما يُحيّر المراقبين هو: كيف يمكن لأمريكا أن تقع في أخطاء لا تقع فيها دول صغرى، وهي التي تقيم سياستها على ثوابت لا تتغير بتغير الحزب الحاكم.. أو أهواء الرؤساء.. أو نزعاتهم الخاصة.. كما أنها تعتمد سياسات ذات أبعاد استراتيجية طويلة المدى، ولا ترتهن لسياسة ردود الأفعال مهما بلغت من العنف أو التأثير، باستثناء ما وقع في «منهاتن» بكل تداعياته الشديدة وما ترتب عليه من تحولات جذرية غير مسبوقة.
** ومع ذلك.. فإن الولايات المتحدة تدرك تماماً أن سياسة الفرض والوصاية والإجبار والتدخل في الشؤون الداخلية لم تحقق أي أهداف حيوية بالغة الأهمية بقدر ما جلبت العداء لمن يطبقها وانعدام الثقة في التعامل مع من يلجأون إليها.. وهناك نماذج عديدة من دول وقيادات العالم في مراحل وأزمنة مختلفة تمردت رغم ضعفها على قوى كبرى.. ولم تخضع لإرادتها أو تستجيب لأوامرها.. بل وتحولت في غمضة عين من صفوف الأصدقاء إلى صفوف المعادين.. والمجاهرين بكراهيتهم لها.. وتحريضهم عليها.. وبالتالي فإن تفسير تلك الأخطاء على أنه نتيجة طبيعية لسياسات أمريكية مارست الفوقية والاستعلاء ليس كافياً لتبرير ما حدث أو يحدث في العراق وأفغانستان أو للتمادي فيه أو المضي إلى أبعد منه..
** كل هذا لا يعنينا الآن.. ونحن نتابع التحضيرات «العاصفة» لانتخابات أمريكية شديدة الوطأة.. تبدو فيها المؤشرات لصالح الديمقراطيين بصورة واضحة وكبيرة.. وإن عوّدنا المجتمع الأمريكي على أن تكون له اختيارات خاصة وربما مفاجئة في بعض الأحيان..
** لكن الذي يعنينا هو: أن يأتي إلى البيت الأبيض من يعمل على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في منطقتنا بمقاييس طبيعية وموضوعية وعادلة وغير محكومة بالحالة الراهنة التي تعيشها الولايات المتحدة.. أو التي وقعت تحت تأثيرها ليس فقط بعد (11 سبتمبر) وإنما قبل ذلك أيضاً..
** فالولايات المتحدة دولة كبيرة، وقادرة على تحقيق أهدافها في المنطقة والعالم بصورة مختلفة.. وغير تصادمية.. وغير ضاغطة.. وغير متجاهلة للحقوق العربية المشروعة.. ولتطلعات الشعوب إلى تقدم حقيقي لا يستبدل أطرافاً محلية ارتكبت أخطاء بحق شعوبها بأطراف خارجية أخرى تغلّب مصالحها وتسعى إلى فرض نموذجها وإن تعارضت مع طبائع هذه الشعوب وتكوينها النفسي والاجتماعي أو الثقافي.
** والولايات المتحدة تستطيع أن تفوز بثقة وقبول شعوبنا ومودتها أيضاً إذا هي شعرت بأنها ترعى مصالحها وحقوقها بنفس القدر الذي تحافظ فيه على مصالح وحقوق إسرائيل وليس أكثر..
** والولايات المتحدة.. تمتلك كل أسباب الاستقطاب والتفهم وحتى التعاطف إن هي شجعت دول المنطقة وشعوبها على تطوير مجتمعاتها من داخلها وبأدوات وطنية صادقة وغير صنيعة.. وإن طال مدى التغيير نسبياً.. لما في ذلك من ضمانة أفضل نحو صمود التغيير واستمراره وتدرجه وتواصله..
** والولايات المتحدة.. تستطيع أيضاً أن تمتلك ناصية شعوبنا إن هي وثقت فيها ولم تتعامل معها كطغمة إرهابية.. وجماعة إقطاعية.. وحثالة بشرية متخلفة لا يحسن قيادها إلا باستخدام القوة وأساليب التطويع المختلفة..
** والولايات المتحدة.. قادرة على التقاء الدول والشعوب العربية والإسلامية معها متى ما أحست هذه الشعوب باحترام ديانتها.. وثقافتها.. وهويتها.. وشخصيتها.. وتغيرت النظرة تجاه الإسلام.. وتم الفصل بينه كعقيدة سماوية ربانية وبين انحرافات سلوكية محدودة لبعض المنتمين إليها..
** والولايات المتحدة.. بما توفر لديها من شبكة مصالح عميقة معنا.. قادرة على أن توظف تلك الشبكة العملاقة والمصالح الضخمة لصالح البشرية جمعاء، لاسيما حين يشعر أصدقاؤها أنهم آمنون.. وأن مستقبلهم غير معرّض للتهديد.. وأن تفكيرهم كل تفكيرهم منصرف نحو بناء الذات المطمئنة وليست الخائفة والقلقة على الدوام..
** إن هذه الحقائق متفردة أو مجتمعة.. تشكّل نقاط تماس حساسة في العلاقات الأمريكية- العربية.. والأمريكية- الإسلامية.. لاسيما في ضوء المعطيات التاريخية التي مرت بها علاقات أمريكا ببعض الدول الصديقة في العالم.. ودفعت أعداءها إلى الشماتة بأولئك الأصدقاء الألداء.. كما دفعت أولئك الأصدقاء إلى الكفر بعلاقاتهم التاريخية المتميزة بها..
** ورغم كل هذا.. فإن مصالحنا الكبرى.. تقتضي التفتيش بصورة دائمة عن أوجه الاتفاق معها وتعزيزها.. وتنمية روابطها.. وتطويرها وليس العكس..
** ذلك أن من يطالبون بإعلان العداء لها.. أو التصادم معها.. يخطئون طريق الصواب.. ويخلطون بين مصالح بلدانهم الكبرى، وبين رؤيتهم الذاتية المحدودة وقناعاتهم الشخصية الضيقة..
** ذلك أن اختلافنا مع أمريكا.. أو اعتراضنا على بعض مواقفها وسياساتها.. أو عدم اتفاقنا مع تحليلاتها للوضع العام في منطقتنا.. أو إحساسنا بتحيّزها لصالح إسرائيل، كل هذه الأمور لا تلغي حقيقة أنها دولة كبرى لا يُمكن الاستغناء عنها.. أو التجاهل لطبيعة وحجم مصالحنا العضوية معها.. بل إن هذه المصالح وتلك الطبيعة الخاصة لعلاقتنا مع بعضنا البعض هي التي تفرض علينا أن نتمسك بها من جهة.. ومن جهة أخرى أن نعبر لها عن مواقفنا واختلافاتنا.. وعدم قبولنا بما لا يتفق مع رؤانا ومصالحنا وقناعاتنا..
** وكم أتمنى أن نخضع هذه العلاقات الضرورية والهامة لمعايير عقلانية دقيقة تبتعد بها عن الانفعالات العاطفية.. وتأثيرات الشحن المختلفة أيضاً..
** ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن الأماني والتطلعات قبل بدء الانتخابات التشريعية.. إنما يأتي من الحرص على تصحيح مسار هذه العلاقات في المرحلة القادمة بصورة تجعلها أقل تعرضاً للاهتزاز.. تعزيزاً للثقة المتبادلة.. واستثماراً للإيجابيات الكثيرة.. والكبيرة..
* ومضـــة :
** لا يعرف «الجهلة».. و«الصغار».. و«الأغرار» قيمة الأشياء الكبيرة في حياتهم إلا بعد أن يفتقدوها إلى غير رجعة»..
hhashim@okaz.com.sa
أضف تعليقك