الإسلام.. والنفط.. و«الآخر» المختلف
(1)
يبدو العالم.. وكأنه يتجه إلى البدائية الجديدة أو كأنه يتجه إلى الانهيار الكامل «ويخون» كل ما أنجزه الإنسان في هذا العالم المتحضر من مجتمعات جديدة قائمة على الديمقراطية وقيم العدالة والحرية.. ومؤسسات «الدولة الحديثة» إضافة إلى الإضاءات والفتوحات الكبيرة في العلم والفلسفة والتكنولوجيا وسائر الفنون.. والآداب.. وهذه «البدائية» التي أركِّز على وجودها اليوم تتمثل في أن «ثقافة الاستعلاء» و«الفوقية» التي تمارسها الدول التي تدِّعي بأنها دول متقدمة ومتحضرة هي ثقافة قائمة أصلاً على نفي «الآخر» الأكثر ضعفاً لا الأكثر قوة وأهمية..
إن «الآخر» هنا لا كما يتكرس في الأدبيات العربية بأنه ذلك المتمثل في الغرب.. أو المسيحية أو اليهودية أو الثقافات الأخرى التي تشكو من «مصادرة» و«محاربة» الإسلام والذين ينتمون إليه من مسلمي الغرب والشرق معاً، والنظرة السوداء التي ينظر من خلالها العرب إلى الغرب،، بوصفه الغرب الصليبي والاستعماري.. وبأنه ينظر إلى الجغرافيا العربية بوصفها ممراً تاريخياً وحضارياً إلى عالم الشرق الخيالي والأسطوري، وملتقى الديانات الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، وموطن القداسات والمقدسات، وحيث تنبعث رائحة النفط.. وحيث النبع الدائم لهذا النفط ثم الاحتياطي الدائم للعالم وحيث تتقدم المصلحة فوق كل شيء..
الآخر يعني «الكل» ولا يعني الجزء.. كل العالم وليس بعض دول العالم أو ثقافات وديانات بعينها كل ديانة، هناك «آخر» لها -وما هو

الآخر يعني «الكل» ولا يعني الجزء، كل دول العالم لها «آخر» مختلف عنها في الفكر والممارسة

مضاد- ومختلف عنها في الفكر والفهم والممارسة، ونظرة كل شعب لمعنى الدين ووظيفته في المجتمع وأسلوب التكامل مع المجتمعات والشعوب.. ومن ثم وآليات وطرق التفكير التي تحكم الأفراد الذين ينتمون لهذه المجتمعات والشعوب معاً.. ووجود فهم متبادل بين دول العالم.
(2)
لقد كثر الحديث بعد عالم 11 سبتمبر، حيث اللحظة الزمنية والكونية الفاصلة ما بين محوري الخير والشر وانقسم العالم إلى «شيع» وفرق.. إلى دول مع ودول الضد، ودول محايدة، وبين ثقافة مائعة، وثقافة ممانعة، لقد تحول العالم إلى لحظة أمريكية بامتياز وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية والمحافظون الجدد والإدارة الجديدة التي تحكم العالم من البيت الأبيض التي يتزعمها الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني وواجهة الدفاع.. والخارجية في هذه الإدارة من كونداليزا رايس إلى رامسفيلد إلى مادة إخبارية وإعلامية يومية وتحول كل شيء أمريكي إلى خبز يومي..
لقد أصبحت أمريكا حالة مرضية لا يُمكن الشفاء ولا يمكن التخلص منها.. وقع بعض العرب بعد غزو العراق في الفخ الأمريكي حقاً وأصبحنا أمام استعمار جديد، كل ذلك يأتي في الذهنية الأمريكية تحت حجة محاربة الإرهاب ومطاردة محاور الشر وخصوم الغرب، وتحديداً أمريكا ثم نجد أنفسنا أمام مصطلح الآخر.. هذا «الآخر المختلف» الذي أصبح أحد أبرز محاور الحوار الوطني السعودي وأحد أهم قضايا هذا الحوار بين النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة عبر رؤية سياسية تعبر عن واقعها وراهنها خاصة، أن المملكة أصبحت في واجهة الأحداث نتيجة تداعيات أحداث 11 سبتمبر العاصفة وما أعقبها من اتهام لعدد من السعوديين بضرب برجي التجارة في نيويورك، ومهاجمة مبنى البنتاجون في واشنطن.
لقد برز «الآخر» مفهوماً واصطلاحاً ومعنى بشكل قوي وملح، بعد تلك اللحظة التي مازالت مفتوحة على كل الاحتمالات وعلى كل النتائج.
(3)
ولأن هذه اللحظة الزمنية والكونية مازالت مفتوحة فعلاً.. لذا فإن حالة الصدام بين الغرب والشرق سوف تزداد حدة، وعنفاً، وسوف تتسع الفجوة بين «التابع» و«المتبوع» بين «الغالب» و«المغلوب» بين القوي والضعيف.. طالما ظل العرب لا يمتلكون قوة العلم والسلاح والتنمية وكل مقومات المواجهة ضد أعداء الأمة وفي مقدمتهم إسرائيل.
.. وأخيراً.. إن الإسلام لا ينبغي أن ينظر له على أنه «آخر» إلا من نافذة الغرب، وهو كذلك، لأن الغرب نفسه يكرِّس لهذا «الآخر» الذي هو خصم- دائماً وعدو على الدوام- لأن كل «مختلف» هو آخر، ولكن ليس بالضرورة أن كل من هو آخر هو خصم وعدو، ذلك الحوار هو الطريق الأسلم والأصوب لبناء حالة من الثقة والاحترام لكل من تختلف معه، لا من تختصم معه، والتعددية هي القيمة الحضارية التي تقوم عليها المجتمعات «المتصالحة» مع نفسها ثم مع الآخر «القريب» أولاً و«البعيد» ثانياً.
a_faqehi@hotmail.com