رأي في الحدث
دروس من تفجير أول قنبلة نووية لكوريا الشمالية
د. طلال صالح بنان
كان إعلان كوريا الشمالية عن مقدرتها النووية بتفجير أول قنبلة نووية لها تحت الأرض في التاسع من الشهر الماضي، من البداية، إجراءً “تكتيكياً” ولا يعكس أي طموحات استراتيجية لها. لقد أعلنت كوريا الشمالية، أول أمس، عن استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي للأغراض الاستراتيجية، في مقابل ضمانات أمنية ( أمريكية ) وتطبيع العلاقات وحوافز في مجالات الطاقة... الأمر الذي يعني، عملياً: رفع العقوبات عنها التي جاءت بقرار صدر مؤخراً من مجلس الأمن. طبعاً، هذا التطور في موقف كوريا الشمالية، ليس جديداً.. وبالتالي: لا يرجع ـ في حقيقته ـ إلى متغير الردع الذي جاء في قرار مجلس الأمن رقم: 1718، في: 14 / 10 / 2006.
هذا الإعلان المتجدد لموقف كوريا الشمالية حيال ملف أزمة برنامجها النووي، كان ـ في واقع الأمر ـ نتيجة لاتفاق ثنائي بين واشنطن وبيونغ يانغ، للعودة إلى طاولة المفاوضات السداسية، التي توقفت منذ 12 شهراً، تمخض عن لقاء مفاجئ بين مسؤولين أمريكيين وآخرين من كوريا الشمالية تم في بكين بوساطة صينية... الأمر الذي كان يُعد تراجعاً عن موقف الإدارة الأمريكية من إجراء أية مفاوضات مباشرة مع حكومة بيونغ يانغ.
كوريا الشمالية تعرف محدودية إدارتها للأزمة من منظورها الاستراتيجي. فهي دولة فقيرة ومعزولة دولياً، وليست لها طموحات إقليمية، مع وجود قوىً قوية حولها مثل الصين واليابان وتواجد الولايات المتحدة العسكري المكثف في كوريا الجنوبية. مهما بلغ مستوى “الزعيق” في خطاب بيونغ يانغ السياسي والدعائي، فإن أهدافها، من إدارتها لملف برنامجها النووي تتلخص في: رفع جدار العزلة الدولية عنها.. وضمان عدم الاعتداء عليها من القوى الإقليمية حولها، خاصة من التواجد الأمريكي في كوريا الجنوبية... وكذلك من محاولة تأثير ما يحدث في سيول من تطورات سياسية اقتصادية (ليبرالية ورأسمالية ) على تجربتها ( الاشتراكية الشمولية ).
باختصار..كوريا الشمالية، تريد من إدارة ملفها النووي، كسر نطاق العزلة الدولية حولها، مع ضمان احترام الجميع لخياراتها الاقتصادية والسياسية، ببعدها الاشتراكي والعقائدي الشمولي. كل إجراءات النظام الدولي ضدها، وحتى ضغط الصين السياسي والاقتصادي عليها، بحجة الامتثال لقرار مجلس الأمن الأخير، في نظر بيونغ يانغ، تسير وفق الأهداف السياسية من وراء استخدامها لورقة ملف برنامج النووي، وليس ضد حساباتها من جدوى الضغط “استراتيجياً” من الكشف عن إمكانات القدرات الاستراتيجية لبرنامجها النووي.
هذا ما حصلت عليه خلال أقل من شهر من تفجير أول قنبلة نووية لها. كانت بوينغ يانغ تعرف أن خصمها الوحيد، في أزمة ملفها النووي، الذي يدفع نحو عزلها وحصارها، هي واشنطن.. وما أعضاء اللجنة السداسية الآخرون ( الصين وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان )، سوى أطراف ثانوية لا تخرج مواقفها عن تلك التي يتمسك بها الطرف الأمريكي. من هنا، فإن كوريا الشمالية، لطالما دعت إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة لحل الأزمة، بينما واشنطن كانت ترفض ذلك لكي لا تحقق كوريا الشمالية مطلبها الأساسي بتوقيع معاهدة عدم اعتداء بين الجانبين.
لأسباب داخلية، يفرضها قرب موعد إجراء انتخابات الكونجرس الأسبوع القادم، تحفظ لإدارة بوش ماء الوجه الذي أريق بتفجير كوريا الشمالية لأول قنبلة نووية لها، بالرغم من التهديدات الأمريكية المتتالية، أقدمت واشنطن على إجراء مفاوضات ( سرية ) مع حكومة بيونغ يانغ في بكين، لتظهر حكومة الرئيس بوش أمام الناخب الأمريكي وكأنها مازالت تتحكم في زمام الأمور. الرئيس بوش “زعم” أنه مسرور بتغيير موقف كوريا الشمالية.. وذهب أبعد من ذلك في دعوة طهران للحذو حذو بيونغ يانغ في استعدادها للتخلي عن تسلحها النووي، في الوقت الذي تعرف واشنطن أن طهران صباح مساء تعلن عن “سلمية” برنامجها النووي، بينما بيونغ يانغ نفسها، لم تخفِ استعدادها ـ في كل الأوقات ـ عن التخلي عن البعد الاستراتيجي لبرنامجها النووي، مقابل الحصول على مساعدات اقتصادية من جيرانها، خاصةً في مجالات الطاقة.. والحصول على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة.
في أزمة ملف البرنامج النووي لكوريا الشمالية، دروس لأية قوة نووية أخرى، غير تلك التي “نبّه” إليها الرئيس الأمريكي طهران. لقد أظهرت تلك الأزمة محدودية إمكانات واشنطن في التعامل مع الأزمة، بقدر ما أظهرت دقة حسابات بيونغ يانغ في إدارتها. الطرف الذي يتراجع، من دائرة التصعيد المفرغة التي تسير فيها الأزمة، هم في الحقيقة الأمريكيون، بينما الكوريون الشماليون هم أقرب لتحقيق أهدافهم السياسية من إدارة الأزمة.
أضف تعليقك