أفياء
رسالة يجب التصدي لها
الكذب رذيلة وسلوك دنيء، فهل يمكن أن ينقلب إلى فضيلة عندما تعلم مصلحة منه؟ إن هذه حجة كل الكاذبين فهم يقولون إنهم يكذبون التماساً لمصلحة ما، إما للنجاة من العقوبة أو طلباً لزيادة الربح أو تجنباً لغضب رئيس أو غير ذلك من المصالح، ولولا طلبهم تلك المصلحة المتوخاة في الكذب لما احتاجوا إلى اللجوء إليه، فهل حجتهم تلك قادرة على قلب رذيلة الكذب إلى فضيلة؟
في أواخر شهر رمضان المبارك تلقيت رسالة من مصدر مجهول مكتوبة بخط اليد، ركيكة الأسلوب، ضعيفة الصياغة، تنم عن جهل كبير، وكنت أوشك أن ألقي بها في سلة المهملات لولا أنه خطر ببالي أنها قد تكون بذرة تنبئ بمولد غير مبارك لجماعة تريد التخريب، وأن الواجب يقتضي المبادرة إلى مكافحتها قبل أن يكتمل نموها ويستفحل شرها.
فحوى الرسالة الدعوة إلى عدم التحرج من الكذب إذا كانت فيه مصلحة، وأن الكذب جائز شرعاً متى علم الخير الذي ينتج عنه، وبلغ من فسوق كاتبها أنه تجرأ على الله سبحانه جل وعلا فنسب إليه الكذب عندما تكون هناك مصلحة، مستشهداً ببعض الآيات كما في قوله تعالى: }يرونهم مثليهم رأي العين| وقوله: }إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر| وقوله: }ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون|، ويعلق على الآيات بقوله: إن هذه الآيات فيها كذب وأن الله جل وعلا، كذب }تبارك وتعالى عما يصفون| لأنه رأى مصلحة في الكذب، أي أن الكذب يجوز شرعاً عند توقع المصلحة منه، وأن هذا ما دفع بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى الكذب في تلك الأحاديث التي تبدو لنا منافية للعقل مثل حديث: (إذا بلغ الجنين في بطن أمه أربعين يوماً أمر ملك فكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد..) والرسالة في مجملها تهدف إلى إقناع الناس بشرعية الكذب متى علمت المصلحة منه.
لقد بقيت أقلب الرسالة في يدي وفي ذهني سؤال محير حول هدف صاحب الرسالة منها، ما الغاية التي ينشدها من إيهام الناس بشرعية الكذب وجوازه في الدين متى علمت فيه مصلحة؟ ولم يبدُ شديد الحرص على ترسيخ هذا المفهوم في أذهان الناس؟ إن ما يدعو إليه صاحب هذه الرسالة أمره خطير، فهو لا يقتصر على إساءة الأدب مع الله سبحانه ورسوله ووصفهما بما هما منه براء، وإنما هو أيضاً يفتح باباً للتشكك في كثير من الآيات والأحاديث، فضلاً عن أنه يتضمن الدعوة إلى إشاعة رذيلة الكذب بين الناس وفي ذلك إشاعة للفساد والتعدي وانتهاك الحقوق.
ما الفائدة من بث الاعتقاد في نفوس الناس بشرعية الكذب متى اقتضته المصلحة؟ خاصة أن المصلحة ليست أمراً محدداً متفقاً عليه وانما هي شيء نسبي، وما هو في مصلحة هذا قد يكون ضد مصلحة ذاك، وما يراه البعض خيراً قد يراه البعض الآخر شراً، وقديماً قيل (مصائب قوم لقوم فوائد) فكيف يمكن الاعتماد على المصلحة في تشريع الكذب؟
فاكس 4555382
أضف تعليقك