«نقّط يا فدعق» وكأني أسمعها الى يومنا هذا بالرغم من مرور أكثر من خمس وأربعين سنة على صوت أستاذي وهو يصرخ على مسافة لا تتعدى ربع الصفحة التي تقرأها الآن... وبالرغم أن سرعة الصوت على درجة حرارة فصول مدرستي كانت تبلغ حوالي 1080 كيلومترا فى الساعة الا أن صراخه كان يبدو وأنه يدخل أذني بسرعة تفوق البليون كيلومتر فى الساعة وبطاقة مذهلة…وبصراحة لم أكن والنقاط أصحابا ولكنى تعلمت أن أحترمها…وبعدما كبرت تغير دور النقاط فى حياتي فجاءتني فى شبابي كعاصفة فكرية عنيفة…وحاول أساتذتي الأفاضل أن يعلموني أن النقاط ليست لها أية أبعاد…وهذه مشكلة فكرية رهيبة... يعني لو نظرت الى قطعة «غُريّبة» العيد ستلاحظ أنها جميلة فى أبعادها الثلاثة الطول والعرض والعمق... وتخيل أن تتجرد هذه القطعة اللذيذة من أحد أبعادها الثلاثة... العمق مثلا... وستصبح الآن طول وعرض وكأنها صورة كتلك التي تعرض على صفحات هذه الجريدة الغراء... شكل جميل فى بعدين فقط ولكن بدون طعم... ولو جردتها من أحد البعدين ستصبح مجرد خط... لا طعم ولا رائحة ولا منظر... يعنى

للعلم.. توفي أكثر من مائة مريض ومسن بسبب سوء
المعاملة عند هذه النقاط خلال السنتين الأخيرتين

بدون «سالفة»... وهناك المزيد... فالآن تستطيع أن تضغط الخط الى الصفر ليصبح نقطة... ونقطة الغُريبّة هذه لا تمت بصلة الى الحلوى التي بدأنا به فهي مجرد موقع فى الفضاء يعرف موقعها... لا طعم ولا رائحة ولا منظر ولا يحزنون... وللعلم فالنقاط فى هذا المقال ليست نقاط حسب التعريف الهندسي الدقيق فقطر كل منها يبلغ حوالي ثلاثة أرباع المليمتر بل ولها ارتفاع فوق الصفحة أيضا ولكنه منخفض جدا... عجيبة خصائص النقاط وعجيب تاريخها... فى مجال الهندسة المعمارية ستجد أن من أهم النقاط هي نقطة التلاشي Vanishing Point التي اخترعها الإيطالي «برونوليسكي» وفتح بها مجال الرسم الهندسي الدقيق وخصوصا للمناظير.
ولكن هناك ما هو أهم من كل هذا وهي نقاط التفتيش فى فلسطين المحتلة... الوضع الحالي هو أنه مهما كسبت السلطة الفلسطينية من حقوق وصلاحيات تبقى جميع الطرق فى فلسطين تحت التحكم الإسرائيلي... و فى الضفة الغربية و القدس وحول غزة تتوالد مئات نقاط التفتيش الإسرائيلية بحجة الدفاع ولكن ما يجري فى هذه النقاط هو مهزلة إنسانية... كل يوم يتحرك عبر هذه النقاط أكثر من مليون فلسطيني... وإذا كانت لوحة سيارتك سوداء وصفراء (تسجيل إسرائيل) فنهارك غالبا سيكون سعيدا وستمر مرور الكرام... وأما إذا كانت لوحة سيارتك خضراء وبيضاء (تسجيل فلسطيني) فويل لك... وطبعا لو لم تمتلك سيارة بالكامل فعليك أن تكون مستعدا لقمة الظلم والتنغيص والغلاسة من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي... ولو كنت من ذوي الاحتياجات الخاصة من المسنين أو الحوامل أو المرضى مثلا فتأكد أن ذلك لن يشفع لك... النقطة هي النقطة وعبورها تجربة فى الاستعباد وسبحان الله أنها تتشابه مع النقطة الهندسية المذكورة أعلاه فمن خلالها تتجرد المثل والأخلاقيات، وللعلم فقد توفى أكثر من مائة مريض ومسن فلسطيني بسبب سوء المعاملة عند هذه النقاط خلال السنتين الأخيرتين.
أمنيـــة
يحتوى هذا المقال على أكثر من مائتي نقطة... ولكن أغرب النقاط «الصحيحة» هي تلك التي تخضع للتعريف الرياضي البحت لأنها بدون أبعاد هندسية... وأغرب النقاط أيضا هي نقاط التفتيش فى الأراضي المحتلة لأنها بدون أبعاد إنسانية... أتمنى أن يعيننا الله على فهم النقاط الهندسية، وأن يعين إخواننا على مجابهة الظلم فى نقاط التفتيش فى الأراضي المحتلة.
والله من وراء القصد.