بعض الحقيقة
فقدان روح التطوع
كان الفيلسوف ورجل الدولة الفرنسي «دو توكفيل» أول من لاحظ الروح التطوعية العالية في الولايات المتحدة أثناء زيارته لها عام 1831م. وقد دوّن «توكفيل» انطباعاته عن هذه الدولة الفتية معرباً عن إعجابه بانخراط الأمريكيين في الجمعيات التطوعية كظاهرة فريدة قلّ أن يوجد لها مثيل في أوروبا في ذلك الحين.
وقد كان علماء الاجتماع الفرنسيون أول من أطلق مصطلح «الاقتصاد الاجتماعي» على هذه الظاهرة وأمثالها في محاولة لبلورة قطاع ناهض يقوم على روح التكافل الاجتماعي بالكامل.
هذا القطاع الذي كان له دور تاريخي بارز في بناء الولايات المتحدة أصبح له دور كبير ومؤثر فيما بعد في إعادة صياغة العقد الاجتماعي برمته لدى جملة من الأمم والمجتمعات في القرن العشرين. ففي الولايات المتحدة التي يتم الترخيص فيها لـ(300) جمعية تطوعية يومياً، تبلغ أصول هذا القطاع نصف أصول الحكومة الفيدرالية ويعادل اجمالي إنفاقه الناتج القومي لـ(180) دولة في العالم مجتمعة.
ليس في الأمر غرابة إذا ما علمنا بأن (51%) من إجمالي السكان يكرسون أوقاتهم وأموالهم لقضايا وجمعيات ومنظمات.. إلخ يبلغ مجموعها (20) مليار ساعة تشكل المعادل الاقتصادي لـ(9) ملايين عامل بنظام اليوم الكامل.
ولكي لا نذهب بعيداً ففي إسرائيل وحدها (30.000) جمعية تطوعية في الداخل وجملة من المنظمات التطوعية في الخارج، وهي منظمات تجلب لإسرائيل (5000) مليون دولار سنوياً من الخارج. المسألة ليست مادية لكنها قيمية في المقام الأول فالمشاركة باليد والوقت والخبرة.. إلخ تشكل قيمة اجتماعية رفيعة ترتبط عضوياً بجذر المواطنة. مثل هذه الروح المفقودة في أدبياتنا الاجتماعية -مؤسساتياً على الأقل- لماذا أغفلتها خطب الوعاظ وطروحات المنظرين ومناهج التربية العامة!
أضف تعليقك