كان للعيد في طفولتي في المدينة المنورة طعم خاص وتقاليد محببة لا تنسى، فأداء صلاة العيد في الحرم النبوي الشريف والمراجيح الخشبية تنصب في كل مكان والأنوار المتلألئة وعربات بيع الألعاب والحلويات تخلب ألباب الأطفال وملابس العيد التي تهيأ بجانب الفراش ليلة العيد، هذه الطقوس تعني لنا الكثير، فلم نكن نلبس الجديد بهذه الصورة إلا للعيد ولا توجد المراجيح إلا في العيد كذلك الألعاب خاصة العرائس (الدمى البلاستيكية) لا تشرى إلا في الأعياد.
أما فرحة العيدية فلا تماثلها فرحة، فبعد عودتنا من صلاة العيد يوزع علينا الوالد حفظه الله العيدية وهي تمثل ثروة بالنسبة لأطفال تلك الأيام.
وأذكر مرة أن الوالد سبقنا إلى صلاة العيد وعندما هممنا بالذهاب إلى الصلاة، طلبتُ من الوالدة حفظها الله أن تسلفني بعض النقود أضعها في الحقيبة كي لا تكون فارغة فربما أعجبتني لعبة تباع قرب الحرم، وبعد إلحاح أعطتني ثلاثة عشر ريالاً على أن أعيدها بعد حصولي على العيدية وحملت حقيبتي مزهوة يخالجني شعور من

العيدية عادة جميلة يجب المحافظة عليها
فهي تغرس الفرحة في القلوب وتبقى في الذاكرة

يملك ثروة، وآخر عهدي بالحقيبة أنني وضعتها في إبطي بعد انتهاء الصلاة وانحنيت ألبس حذائي وسط الزحام فدفعتني جموع المصلين إلى الخارج وعندما تنبهت لم أجد الحقيبة، وعدت إلى باب الحرم للبحث عنها ثم خارجه لكن دون جدوى وأحسست بحسرة ومرارة قد لا يتصور مقدارها إلا من خسر ما وراءه ودونه في الأسهم هذه الأيام.
وضياع الحقيبة ليست القصة الوحيدة للضياع في طفولتي فقد أضعت جدتي ليلة العيد، كانت جدتي رحمها الله تذهب لصلاة العصر في رمضان يومياً في مكان محدد قرب الروضة الشريفة وتبقى مكانها تقرأ القرآن حتى إذا اقترب الغروب أحضرت لها التمر والقهوة وخرجت ألعب قرب الحرم حتى تنتهي الصلاة ثم أرافقها إلى المنزل.
وفي ليلة العيد بهرتني الأنوار والألعاب المعروضة فلم أعد إلى جدتي فور انتهاء الصلاة، ربما كنت أسأل عن أسعار الألعاب في المحلات والعربات المختلفة تمهيداً لشرائها في الغد، ولما عدت لاصطحابها إلى المنزل لم أجدها في مكانها فجريت أبحث عنها داخل الحرم ثم خارجه أدخل من باب وأخرج من آخر، ويومها كانت مساحة الحرم تسمح بذلك، وأبحث في ساحات الحرم وفي المحلات قربه لكني لم أجدها فأخذت أبكي، ورق لحالي أحد أصحاب المحلات قرب الحرم فسألني هل أنت ضائعة ياشاطره، فأجبته بالنفي لكنني أضعت جدتي، فضحك وسألني عن اسمي وتصادف أن كان يعرف والدي فهاتفه في المنزل وأخبره والدي أن جدتي عادت إلى المنزل، فعدت وكلي دهشة كيف استطاعت جدتي أن تعود إلى المنزل بمفردها.
وعوداً على العيدية، أعتقد أن الأوضاع الاقتصادية في وقتنا الحالي أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق، والكثير من الأسر تهمل العيدية هذه الأيام لعدم احتياج الأطفال إلى شيء من وجهة نظرهم، لكنني أتصور أن العيدية من العادات الجميلة التي يجب أن نحافظ عليها فهي تغرس الفرحة في قلوب الصغار وتبقي ذكريات للعيد لا تنسى في أذهانهم، وهي من العادات التي حافظ عليها الوالد أمد الله في عمره لمزيد من العمل الصالح فهو يعايد والدتي وأولاده وزوجاتهم وبناته وجميع أحفاده والعاملات والسائقين فتعم الفرحة الجميع.
fma34@yahoo.com