في كل عام.. لقاء
هذا عيد جديد آخر يهل علينا وأبارك للجميع قدومه وبهجته. وتمر الأعياد علينا، واحداً تلو الآخر، يفرح بها أطفالنا وصغارنا كما كنا نحن نسعد بقدومه أيام كنا صغاراً. وهي قد تأتي الآن وتغادر ونحن لانكاد نشعر بها لولا معايدة الأقرباء والأصدقاء والأعزاء، ولولا الذكريات والحنين لفترات من العمر مرت ولن تعود.
وكالعادة في كل رمضان نزلت إلى حواري وطرقات جدة القديمة برفقة الصديق فتحي نعمة الله، وهو أحد أبناء المربي الفاضل عبدالعزيز نعمة الله يرحمه الله، الذي علم أجيالاً متتالية من أبناء عائلات جدة الأصيلة.
وعندما نتجول في تلك الأزقة والحواري لاينتابنا شعور السائح أو المتفرج مثل الذي يشاهدها لأول مرة لمجرد التعرف عليها، كما يحدث للسائحين في مدن مثل روما أو فلورنسا أو دمشق والقاهرة وغيرها، بل ينتابنا إحساس بأننا قد عدنا إلى منزلنا القديم الذي ولدنا فيه وكبرنا وترعرعنا في أحضانه والتصقت جباهنا بترابه وأصبحنا نحن جزءاً لايتجزأ من تاريخه وماضيه ومستقبله.
وفي تجوالنا كنا نتعرف على منازل العائلات منزلاً منزلاً في كل حارة من حارات جدة العتيقة ونذكر أسماء أبنائها وأهلها وكأنهم أمامنا، ونترحم على أرباب تلك العائلات

المدينة القديمة هي القلب الذي تصدر منه
نبضات الحياة وهي مصدر الإشعاع لما حولها

ممن إختارهم الله إلى جواره، ونستعيد الذكريات مع من لايزال معنا في هذه الدنيا. في كل حارة صغيرة من حواري جدة القديمة لنا حنين وذكريات عندما كنا أولاداً صغاراً.
ففي طرقات حارة البحر كنا نلعب الألعاب الموسمية في ليالي رمضان، وننادي بعضنا بعضاً للتجمع أمام المنازل أو في ثلاجة أبو زنادة. وفي حارة الشام كانت مدرستنا العتيقة التي يديرها العم عبدالعزيز نعمة الله يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته، وكانت هناك أيضاً نقطة تجمع أخرى في ثلاجة باخشوين. وفي حارة المظلوم والعيدروس كانت هناك (مداريه) العيد، حيث المراجيح بمختلف أشكالها وأحجامها، وباقي الألعاب البسيطة التي كانت تبهر الصغار وتمتع الشباب، والحلوى الشعبية والعصائر والمياه المثلجة.
وعلى شواطئها كنا نجد متعة حقيقية في السباحة (أو البلبطة)، وفي الصيد ونزهة العائلات الشاطئية فيما يشبه المخيمات الخاصة المتباعدة، فلم يكن هناك من يمتلك إستراحات (خاصة) على الشاطئ أو داخل البحر، فقد «كان» البحر للجميع والشاطئ لكل الناس.
وفي العودة إلى تلك المدينة الأصيلة الدافئة، التي بدأ فيها وبها كل شيء نراه اليوم حولنا، يجد الواحد منا نفسه وجذوره وبداياته. فهنا بدأنا، وهنا تشكّلنا، ومنها انتشرنا. وقد يظن البعض أننا هجرناها إلى الأبد، وأنه فراق لا رجعة فيه. ولكن الحقيقة التي يعرفها كل من درس شيئاً عن تاريخ المدن ومسيرتها هي أنه لابد أن يكون لنا عودة إليها، عاجلاً أو آجلاً، ولابد أن يعود لها نشاطها وحيويتها القديمة حتى ولو بأشكال أخرى وبصورة أحدث. فالمدينة القديمه هي القلب الذي تصدر منه نبضات الحياة، وهي مصدر الإشعاع لكل ماحولها، وهي الأصل الذي تخرج منه كل الفروع، الجميلة والقبيحة على السواء.
إنما الذي ضاع وفقدناه إلى الأبد هو الإحساس بدفء المدينة الأصيلة الحنون ليحل محله شعور بالغربة والوحشة في مدينة مصطنعة لا قلب لها ولا إحساس.
نعود إلى عيدنا ويعود إلينا، ويعود تبادل التمنيات بعيد سعيد، وتمتلئ بعض القلوب بالتفاؤل والرجاء، وترتسم إبتسامة على بعض الشفاه، وتنحدر دمعة حزن وحنين على من غادر وما فات، ويستمر الإحساس بالألم على مايحدث في عالمنا وفي دول إسلامية شقيقة تحولت ألعابها النارية إلى قذائف مدمرة ونار مشتعلة وأشلاء، وتحولت البسمة فيها على وجوه أطفالها إلى حزن عميق وخوف من المجهول ولوعة وحرمان.
فآه .. ياعيد بأي حال عدت، وبأي حال لقيتنا، وبأي حال سنلتقي مرة أخرى.