يقولون : لم نعد نعرف كيف نفرح، لم يبقَ لنا في العيدالا تصنّع الرغبة في ارتداء الجديد، لقد أصبحنا نقتات فرحة العيد على ذكريات الأعياد البعيدة الماضية حين كنا صغارا لا ندرك أن أرض الإسراء تحت الاغتصاب... كنا صغارا لا نتوقع أن نرى ناس وتاريخ وحضارات الرافدين تتحول إلى شياه تُنحر. كبرنا و لم نعد نسمع غير الابتهالات المكسورة، حتى أغنيات العصافير غاضبة مخنوقة. الحزن يشقّ صدورنا بعمق الزلزال على فلسطين والعراق والأراضي الأخرى المحروقة... إننا غاضبون... غاضبون مننا علينا... غاضبون... من وجوهنا الباردة التي لم تعد تحمل شيئا من ملامح الأحرار... غاضبون من أيادينا المغلولة التي لا تعترف بالهمة والعمل والإصرار ( ما نصدق يجي رمضان لنستجدي فوق الإجازة إجازة ونحط راسنا وننام جاعلين النهار لباسا والليل ضياعا) غاضبون لأن قلوبنا لم تعد مشتعلة بحرارة وحمرة الدماء، لقد أصبحت سمجة باهتة تجري فيها المصالح وكرات الإدعاء والتملق الصفراء... . غاضبون لأن لغتنا تجاوز صمتها حد التبكم والإعاقة الحادة،... غاضبون لأن أعيننا اعتادت ولم تعد ترتعد من الفرجة على جنائز الشباب و جثث الأطفال وتقرّح عيون الأمهات... . غاضبون لأننا اقتربنا جدا

بأي حال نتحرى الهلال وإخواننا في فلسطين والعراق
يترقبونه تحت نيران القصف ودوي الانفجارات

من حقيقة تؤكد لنا أن الأراضي التي أكتفينا بالغضب لها و الحزن عليها غدت فكرة مبعثرة كلما رفعت رأسها لتلملم نفسها داستها حوافر مصروعة همجية.
يقولون : بأي حال نتحرى الهلال واخواننا في فلسطين والعراق يترقبونه تحت نيران القصف، ودوي الانفجارات.؟ بأي حال نزّين في العيد شوارعنا ودروبهم في استقباله تتسربل بالدماء وتحتشد بمواكب الشهداء؟ بأي حال نملأ خزائن الأطفال بملابس العيد وأطفالهم هناك يستعدون للقائه بأكفان الموت؟ بأي حال نتبادل الشوكلاته وهناك على موائدهم يختلط الخبز بنزيف الجرحى.
كلنا نبكي عليهم والسماء تبكي والجبال تبكي والنسيم لا يتناقل إلا شهقات البكاء.
و لكن رغم غضبنا ودموعنا وجميع حرائقنا سنفرح ونبتهج ونمتثل، فالعيد ليس مجرد عادة اجتماعية اختيارية، إنه شعيرة إسلامية، فيها سنرقص، ونزف العيد ونستغيظ أعداءنا ونذرأ البارود في عيونهم. ألم يقل رسولنا عليه الصلاة « لتعلم يهود أنّ في ديننا فسحة» سنستشعر العيد ونتقرب به الى الله ونهنّئ به إخواننا الفلسطينيين والعراقيين و الاقرباء والجيران وكل الناس. سنخرج زكاة الفطر وسنكبّر في البيوت والمساجد والأسواق والطرقات من غروب شمس آخر ليلة في رمضان، و-سنأكل التمرات وِتراً قبل صلاة العيد وسنخرج إلى المصلى مشيا من طريق، ونعود من طريق.
سنخرج جميعا، رجالاّ ونساءّ وأبناءّ، معتقدين وممارسين فرحة العيد. سنحاول أن نرتدي هذا العيد رداء العزة والكرامة والسيادة والاستقلال ونقف وراء قضايانا بدعائنا وعقولنا واخلاصنا وأموالنا وبكل ما آتانا الله من فضل. سندعو الله أن اللهم ارحم إخواننا في فلسطين والعراق وكل أراضي المنكوبين، اللهم لا يأتي العيد ونحن نضحك وهم باكون، اللهم لا يأتي العيد ونحن فرحـى وهم محزونـــون، اللهم لا يأتي العيد ونحن آمنون وهم مذعورون مقهورون.
سنسعى في هذا العيد ألا يتحسر على خيبتنا الشهداء، سنُدخل في هذا العيد السرور على قلوب الأحياء في الأرض والسماء. وكل عام والأمة العربية والإسلامية وكل الأمم الآدمية بخير وفي طريقها للتخلص من الغضب و الحزن والهم.
وبما أن الهم بالهم يذكر سأمرر لكم الطريقة المنفلوطية في تبديد الهموم التي تنبع قسوتها من شدة واقعيتها :
قل لمن يحمل هماً إن همك لن يدوم
مثلما تفنى السعادة هكذا تفنى الهموم
بشرك الله بالرحمة يا منفلوطي... إنك لم تواسنا في همومنا بقدر ما أججت في صدورنا الحسرة على فقدان السعادة... يعني هيّ خاربة خاربة وانت عميتها.
فاكس: 6223196 ص ب : 100545 جدة :11 213
Suhair_farahat@hotmail.com