كله من أجل السلام... صراعات عجيبة وإحصائيات مذهلة... خلال القرن العشرين وصل عدد الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم الى أكثر من ثلاثمائة... ووصل عدد الضحايا الى أكثر من مائة وسبعين مليون إنسان... طبعا هذه الحروب كانت معظمها صراعات على مصالح أمم بأكملها، ولكن البعض منها كانت عبارة عن مغامرات ونزوات عجيبة ملطخة بالعار والخزي... وفي مقدمتها نجد العدوان الثلاثي على مصر منذ خمسين سنة... كانت هذه الحرب عبارة عن بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية في العالم... وكانت إحدى أهم المنعطفات التاريخية التي بلورت العضلات الحقيقية على الساحة الدولية فبعد رحيل آخر قوات الإحتلال البريطاني في مصر في يونيو 1956 توجت مصر انفصالها عن بريطانيا بتأميم قناة السويس في سبتمبر من نفس العام... جدير بالذكر أن البريطانيين كانوا يعتبرون القناة من مصالحهم الراسخة في الشرق الأوسط، كما كان يعتبرها الفرنسيون ملكا لهم... طبعا كانت ولا تزال قناة السويس توفر مسافة هائلة في أية رحلة بحرية من أوروبا الى الشرق بمقدار يصل الى حوالي عشرة آلاف كيلومتر... وجاءت ردة فعل بريطانيا وفرنسا في منظومة محكمة بدأت بمؤامرة تم «طبخ وتسبيك» عناصرها في إجتماع «سيفريز» وهي إحدى ضواحي باريس، وملخص تمثيلية المؤامرة أن

تضحيات غالية قدمها أبناء أوطاننا للدفاع
عن المبادئ التي نعيش بها ومن أجلها

يكون الإعتداء على مصر كالتالي: يقوم الإسرائيليون اولا بالهجوم على صحراء سيناء ويثبتون أقدامهم بقدر المستطاع... ثم تقوم إنجلترا وفرنسا بطلب وقف إطلاق النار... «يعني يعني» كأنه محاولة صادقة ورزينة لحقن الدماء حرصا على السلام... وطبيعي أن ترفض مصر باعتبارها المتضرر الأكبر من الإعتداء فحينئذ تتدخل فرنسا وإنجلترا عسكريا للتحكم في الوضع وترسيخ قواعد السلام... سلام في سلام... يعني سلام مربع..وأعطيت العملية رمز الفارس Musketeer لكل منهم... يعني كأنها قصة الفرسان الثلاثة... ولكن النتيجة كانت عكس ذلك فقد كانوا بعيدين جدا عن صفات الفرسان كما نعرفها... وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن لهم بالرغم من العملية العسكرية الضخمة التي بدأها الإسرائيليون بمحاولة لإغتيال رئيس القوات المسلحة المصرية المشير عبد الحكيم عامر بإسقاط طائرة نقل كان من المفروض أن يستقلها من دمشق الى القاهرة في نهاية أكتوبر 1956... وجاء بعد ذلك ضرب لوسائل الإتصال الحربية المصرية... ثم الهجوم على المطارات الحربية... ثم عمليات إنزال للمظليين في ممر متلا المصري في غرب سيناء... وبعد ذلك تم اكمال المسرحية الثلاثية للفرسان فتدخلت القوات البريطانية بإرسال قوات جوية مكثفة من ثلاث حاملات طائرات وهي «الألبيون» و«البولوارك» و«الإيجل» وكانت هذه الحاملات الضخمة ضمن أكثر من مائة وثلاثين قطعة بحرية كما دعمتها قوات جوية ملكية بريطانية أخرى من قواعدها في قبرص ومالطا... وكان إجمالي عدد طائرات العدوان الثلاثي على مصر أكثر من خمسمائة طائرة، وأكثر من ثلاثمائة ألف جندى من القوات البرية ومعظمهم كانوا من الإسرائيليين... وبالرغم من بسالة المحاربين المصريين... وبالرغم من مشاركة قوات من الدول العربية للمساهمة في ردع العدوان، إلا أن حجم العدوان كان ضخما وقويا للغاية وبالتالي فقد كبد القوات العربية خسائر فادحة ولكن الله أراد للمعتدين الهزيمة والعار فقد قامت الدولتان العظميان الجديدتان آنذاك وهما الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراض الرسمي... وهددت روسيا فرسان «الأُنس» باستخدام الأسلحة النووية ضدهم... واعترضت هيئة الأمم المتحدة وخلال حوالي ثمانية أيام من بدء الإعتداء توقفت العمليات الحربية وتراجع المعتدون... ولكن الخسائر كانت كبيرة فقتل وجرح وأسر أكثر من عشرة آلاف شخص من الطرفين، وفقدت بريطانيا وفرنسا سمعتهما كدول عادلة وكقوى عظمى... واستقال رئيس وزراء بريطانيا أنتوني أيدن بعد الحرب مباشرة كما عجلت الحرب من هزيمة الحكومة الفرنسية.
أمنيـــتان
أتمنى أن نتذكر التضحيات الغالية التي قدمها أبناء أوطاننا للدفاع عن المبادئ التي نعيش بها ومن أجلها، وأن نعطي الذكريات حقها من التأمل... كله من أجل السلام..
والله من وراء القصد.