يستلزم تطوير الصور والهيئات
التجديد: من أين؟ وإلى أين؟
ماجد عبدالله شكري *
ان مصطلح التجديد حين يصدر من أهله فانه بداهة لا يظن به السوء، ولا تعتريه التهمة، او هكذا يفترض ان يكون حين تنقلب البدهيات الى مسائل فيها نظر! وهو -بداهة أيضا- لا يتناول مفردات الدين من حيث هي، والا عد تبديلا لا تجديدا، وانما ينفذ الى فهوم الناس التي قد يعلوها صدأ الجهل والقصور أو التعصب أو الوهم أو التمسك بالموروث على أي وجه كان، فيجلوها لتغدو ناصعة مشرقة، كما أرادها الثابت الديني.. وذلك هو سر حفظ الثابت واستمراريته على مر الزمان، المفهوم من حديث (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله «الثقات الأمناء» فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). وتجديد الدين له أدواته التي أجلها تجديد الروح في صلتها بالله تعالى }ففروا الى الله| وفي استقائها واستمدادها من رسوله الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم }قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم| وفي شعورها الفياض باخوة المؤمنين }انما المؤمنون اخوة| تلك الروح التي هي مصدر قوة وعزة المتدينين ومصدر رحمتهم ورأفتهم في آن! وهي المعين الدافق الذي لا ينضب من ارادة الخير للخلق، والسعي لتحقيق ما يصلح معاشهم ومعادهم، بعد تحققها بحب صاحبها الذي يحملها بين جنبيه، كنتيجة طبيعية لتشبعها بحب الله تعالي، موجدها ومالكها ورازقها وهاديها وحاميها وناصرها وموفقها ومثيبها وشاكرها، فتفيض بكل معاني الجمال على ما حولها ومن حولها، كيف يريد التجديد - او يستطيعه- من لا يحمل في روحه تلك الشفافية وذلك الشعور الغامر؟ تجديد الفكر ايضا من أدوات التجديد، فالحياة بتعقيداتها، والمعرفة بتشعباتها، وحتى النفس بأهوائها، وربما العقل بفضوله قد تجر الفكر الى مسارات بعيدة عن المقصود منه، وهو السبر في حقائق الأشياء بما ينفع الناس ويحقق لهم الأمن والتعايش وحفظ الحقوق والتسامح ورفع الظلم والمساواة والتنمية، والارتقاء بالهمم والنفوس والعقول الى مستوى الانسانية الحقة، لتنتج عن كل ذلك الحضارة بمختلف أشكالها ومجالاتها.
والفكر لا يحقق المنشود منه حتى يرتبط بحياة الناس، ويعيش واقعهم، بآمالهم وآلامهم، لا ليسايرهم فيها على كل حال، ولكن ليعرف ما يأتي ويذر، وكيف يأتي ويذر، هاديه في ذلك تلك الروح المتألقة المتعلقة بربها سبحانه، والعقل الحصيف الذي يقدر للأمور قدرها، ويتحرر من أسر كل ما قد يأسر من الاوهام والمتعلقات ذات الوجود الطارئ.. أما الفكر السابح في الجدليات، او الغارق في التاريخ، فهو يحيا في غير موطنه - ان قدرت له حياة- ويناضل في غير ميدانه، وهو فكر منعزل اعجز من ان يقدم تجديدا، وأقرب لان يكون ترفا ينبغي التخلص او التقليل منه.. ولست اعني بالجدليات والتاريخ إلا ما لا تحته عمل -كما يعبر علماؤنا- ولا يرجى منه نفع وميزان ذلك: عقل مستنير ثاقب، يحدوه قلب مشفق لاهب. وتجديد الفكر يستتبع نبشاً للمفاهيم المتشبثة ببعض العقول والافهام، والتي هي نتاج ثقافة معوجة، او تقاليد مترهلة، يلتف حولها سدنة مخلصون، يقربون لها فروض الولاء، ويدعون الناس للتمسك بها والحفاظ عليها، باعتبارها جزءاً من الثابت لا ينبغي الحياد عنه، والا ظهر الفساد وعم..! نبش مثل تلك المفاهيم ينبغي ان يكون من عمق الثابت الديني، المتوائم مع المقطوع العقلي -وهو كذلك دائماً- لأنه وحده القادر على اجتثاث جذور الخلط والخطأ، واستبدالها -وهذا المهم- بما يوافق الفطرة السوية والدين القويم. وقد يستلزم التجديد (تجديد) الصور والاشخاص والهيئات لأن الصور الباهتة تستعصي احياناً على مريد نصاعتها، بل وتكون عائقاً وعقبة كؤوداً، وقديماً قيل: قتل ارضاً جاهلها، و:
ما يبلغ الاعداء من جاهل
ما يبلغ الجاهل من نفسه
ثم ان من تمام الفكر ان يتلوه عمل يصدقه ويؤتي ثمرته، وذلك يكون في اجواء طيبة تتنشق عبير الحرية، وتبثها في مجتمعها. ان سنن الله عز وجل لا تحابي احداً، وليست في وارد الانتظار حتى ينفض الناس عنهم غبار الغفلة، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، ان لم يتخذوا لها من سنن الله عدة وعتادا، فيفروا من قدر الله الى قدر الله، ودوام الحال من المحال، كما يقال. ونحن اليوم في زمن الصورة وثقافة الفضائيات وعصر السرعة، سرعة كل شيء، كل بحسبه، فسرعه تقليب الفضاء من اقصاه الى اقصاه بين اصبعين من اصابع المتابع لشاشة التلفاز، ليست كسرعة تبدل المجتمعات ونحو ذلك الا انها سرعة على كل حال اذا ما قورنت بالسنوات الخوالي، وما لم نواكب تلك السرعة بحراك نافذ وتجديد بصير -وفي ديننا وثقافتنا ما يساعدنا بل يستحثنا- فإننا لا شك سنظلم انفسنا وربما الاجيال بعدنا، وسنسيء الى مظهر ديننا وانتمائنا، واخشى ان نصد عنه. تعاطينا -افراداً وجماعات، شعوباً وحكاماً- مع الاعلام ومؤسساته، والانظمة والقوانين، والتنمية بمجالاتها البشرية والاقتصادية والاجتماعية بحاجة الى حراك ذاتي، يتبناه رجال مخلصون، يحملون على عاتقهم مهمة التجديد، رجال يتميزون بالجرأة والتضحية والنصح والنظر البصير، يحملون مشاعل النور، يدعون اليها الناس، ويستفزونهم للالتفاف حول النهضة والعمل لها، يضعون لها المشاريع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، مشاريع تنبع من واقع حاجتهم ملبية لطموحاتهم، بعيدة عن القوالب التي لم تصنع لهم ولا لزمانهم او مكانهم ولا بأولوياتهم، بل صنعها رجال آخرون في اي زمان واي مكان، هم ايضاً نهضوا لقومهم وحققوا لهم وبهم ما كانوا يحلمون به يوماً، فلننتفع من تجاربهم ولندرس مناهجهم لا ان نستنسخها اذ لا حاجة لنا -بعد اليوم- اليها.. ولنطرح الخوف والتردد والتلكؤ جانباً ما صفت نياتنا وصحت مقاصدنا، فقد ضمن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وراء ذلك: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم للمجتهد المصيب اجران، وللمخطئ اجر واحد.. وبعد وحول اولئك الرجال جمهور يحيطهم برعايته وتشجيعه، احاطة جمهور كرة القدم بلاعبيهم، او احاطة المنتشين بحاديهم ومغنيهم، جمهور يقبل منهم ويناقشهم، ويسددهم ويدفع عنهم، أوَليسوا حاملي شعلة ما يتقد في صدورهم، وناقلي ما يدور في اذهانهم وربما في مجالسهم؟!
* باحث في الدراسات الاسلامية
أضف تعليقك