عندما يجمع آلاف الناس على أن أزمة القبول الجامعي أزمة مفتعلة وأزمة الصرف الصحي أزمة مفتعلة وأزمة ارتفاع أسعارالإسمنت أزمة مفتعلة وأزمة إنهيار الأسهم أزمة مفتعلة وأزمة الازدحام المروري والشوارع الفاسدة أزمة مفتعلة فمن الصعب أن نقول إنهم تواطأوا على الهلوسة و ما بالك عندما يجابهون بما يعبث بحيوية بقائهم وعصب حياتهم. لقد يبست العروق وجفت الحلوق من القحط المائي الذي أصاب جدة منذ سنوات وأخذ يستشري بامتياز فيها وفي المدن المجاورة وغير المجاورة وإلى الآن لم نقرأ تفسيرا مقنعا يوضح أسباب هذا الفشل المائي يقبلها العقل و المنطق لتعين الناس على تحمل حالة الجفاف المتصاعدة أو على الأقل حتى ندخل في عيونهم ونقول لهم ليس هناك أزمة مفتعلة ولا يحزنون و ترى عيونكم الفارغة مو خزاناتكم.
أود أن أنقل لكم تعريف الأزمة كما درج المتخصصون في إدارة الأزمات على تعريفها.. يقولون بأن الأزمة هي: «لحظة حرجة وحاسمة، وقد تكون مفاجئة تواجه صانع القرار، وتتوقف سلامة الكيان الذي أصابته الأزمة على كيفية تعامل صاحب القرار معها» و بعد تعريف المتخصصين للأزمة يمكن للعطشانين المتضررين أن يعرّفوا الأزمة المفتعلة بأنها : لحظة حرجة انحرفت عن قاعدة الكيان وتعمل ضد أهدافه استحدثها مفتعل أو أكثر ليحقق من افتعالها مآرب خاصة على حساب مقدرات العامة. وصححوني إذا كنت غلطانة. إذا حاولنا الآن اتباع الاسلوب العلمي في حل المشكلات على افتراض أننا نؤمن بالعلم في تعريفه لمفهوم الأزمة المفتعلة وإذا افترضنا أننا نسلّم بمعاناة الناس من أزمة مياه مفتعلة، من باب أن الناس لا تجمع على خطأ، يصبح من الصعب أن نقتنع بما يطرحه علينا المياهيون على صفحات الصحف صبح مساء إذ يقول مدير فرع المياه و المشرف العام على المديرية العامة للمياه بمنطقة مكة المكرمة.. يقول بالعربي المقتبس حرفيا «إن المياه لم تصل الى حد (الأزمة)، لدينا نقص في الكمية التي تصل من التحلية، فالانتاج ثابت منذ ثلاث سنوات منذ تشغيل محطة الشعيبة (2)، نضيف الى ذلك تأثرنا هذا العام من تأخر هطول الامطار وهذا ما زاد من معاناة اهالي ابحر الشمالية والجنوبية الذين كانوا يعتمدون على مياه الآبار والأودية، وخلاصة القول ليس لدينا

هذا الحراك بفعل كائنات بشرية متطلبة للماء
فكيف يسمح المخططون بثبات النمو المائي

أي حل الآن لنقص المياه سوى توصيتكم بالترشيد الاستهلاكي. وليس هناك خلل في توزيع المياه الا ان البعض يلجأ الى مواتير الشفط مما يزيد من حجم المعاناة وان جدولة توزيع المياه تم وضعها وفقا لمعايير مقننة و المشكلة الحقيقية لدينا تكمن في سوء الإستهلاك إذ يرتفع جدا مقارنة بدول عالمية كألمانيا حيث وصل متوسط استهلاك الفرد 150 لترا وبريطانيا 140 لترا واليابان 99 لتراً».
أما الوزير في مقابلة أجرتها معه «عكاظ» في الرابع من هذا الشهر الكريم فذهب مع رأي الناس بوجود أزمة مفتعلة ولكن مع فارق مغاير تماما للتعريف العلمي لمفهوم الأزمات المفتعلة فهو يقول : يا قوم إن أزمتكم في مياهكم أزمة مفتعلة لا مبرر لها... لقد افتعلتموها لأنفسكم بدخول شهر رمضان وأنه وقف شخصيا... ميدانيا في شهر الصيف على اشياب الفيصلية و الحال على أتمّ ما يرام ولم يكن هناك ازدحام ولا تدافع ولا اقتحام برغم موسم الإجازات و تدفق زوار الصيف و طمأننا الوزيرأن الأزمة ستنفرج في عام 1430 هـ بتشغيل محطة الشعيبة (3) و تقليل الإستهلاك والقضاء على التسربات من الحلول«المأمولة» التي رُصد لها 300 مليون ريال.
فلنبدأ من حيث انتهى الوزير ونقول أنه لا يمكن أن نكون أكثر اتفاقا معه في أي شأن من شؤون المياه منا على أن الأزمة مفتعلة ولكننا نختلف معه في تسمية المُفتعِل الحقيقي للأزمة وليس من الوارد أن يكون رمضان طبّ علينا فجأة يلهث عطشان و شرب منا كل الماء. أما الناس فالكثير منهم يعي أن الماء عزيز وقريب جدا سيطلع علينا يوم تكون فيه قطرة الماء أغلى من قطرة النفط، والناس بفطرتها لا تتآمر ضد توفير احتياجاتها الأساسية و تستجيب لمن يحقق مصالحها إذا وجدت من يبصرّها بدليل تصريح المشرف العام على المديرية العامة للمياه بمنطقة مكة حيث قال: إنه خلال الحملة الوطنية الشاملة لترشيد استهلاك المياه، تشير الاحصائيات الى ان متوسط الوفر وصل الى 30% من الاستهلاك المنزلي».
أما عن عقد المقارنة بين حجم استخدام الفرد للماء محليا مع نظيره في الدول المتقدمة فلن تكون المقارنه عادلة و مستساغة إلا إذا طبقنا المقارنة على الشق الآخر من المعادلة و أحصينا نوع الخدمة المتقدِمة المقدمَة للفرد في الدول المتقدِمة والتعويضات التي سيحصل عليها هذا الفرد في حال التدني الطارئ لمستوى الخدمة لدقائق معدودات على كف اليد الواحدة ونقول التدني الطارئ ولا نقول ضخها سويعات في يوم واحد كل اسبوعين أو انقطاعها انقطاعا متواصلا لما يزيد عن ا لثلاثة أسابيع. أما لعذر ثبات الإنتاج المائي منذ ثلاث سنوات فكيف يغيب عن المخططين المسؤولين عن السقاية أ و ب من قواعد التخطيط التي يفترض أن تضع في حسبتها زيادة مضطردة في انتاج الماء ليقابل تطور النمو السكاني الطبيعي عداك على أن النمو البشري في بلدنا ينمو بحالة فوق طبيعية أضف إلى ذلك نمو السياحة الدينية المفتوحة على مدار العام لضيوف بيت الله وتدفق الزوار للمنطقة إثر ترويج السياحة الداخلية، وغني عن الذكرنمو الحركة الإقتصادية والعمرانية التي تشهدها البلد حاليا.
كل هذا الفوران الحركي يحدث بفعل كائنات بشرية متطلبة للماء بالضرورة فكيف يسمح المخططون بثبات النمو المائي منذ انشاء محطة الشعيبة 2 التي «انتهى عمرها الإفتراضي» كما يقول الوزير قبل توفير مصدر بديل والذي لن يتوفر الا في عام 1430 هـ ؟ ومما يزيد الطينة جفافا أن كلامه يعني أنه حتى ثبات انتاج الماء لا يمكن أن يستمر على ثباته بل انخفض وسيستمر في اتجاه الإنخفاض، على الأقل، لتدني جودة عمل هذه المحطة الحالية بسبب إنتهاء صلاحيتها إن لم يكن لأسباب أخرى. نأتي إلى تأخر هطول الأمطار فجغرافية الطقس منذ الأزل الكوني تؤكد أن سماءنا جافة بشكل عام وهذا ليس بجديد عليها ولقد عوّدتنا أن لا نعوّل عليها في انتاج الماء... أفما آن لنا أن نكفّ عن لوم السماء !!
سأنتهي حيث بدأ المياهيون القائمون على سقايتنا.. انهم ينفون وجود أزمة مائية عداك عن الاعتراف بكونها أزمة مفتعلة ومن لا يجد في هذا الوضع أزمة من حقه أن لا يجهد باله بحلّها. يبقى لكم عندي مشهد مواتير الشفط...سأعود به الأسبوع القادم لسببين أولهما أني شفطت أكثر من المساحة المقررة لي في هذه الصفحة وثانيهما أود أن أضمن أن المشهد لن يتنازع على تمثيله طاش ما طاش الاصلي والتقليد.
فاكس: 6223196
ص ب : 100545 جدة :11 213
Suhair_farahat@hotmail.com