كتبت سابقاً بأن المشكلة التي تعانيها الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس تنبع في المقام الأول من أزمة في شرعيتها السياسية. والشرعية السياسية في هذه الحالة لها شقان: داخلي وخارجي. ففي الداخل أتت حماس للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع, لكن ذلك لم يرق لفتح التي كانت ترى إلى وقت قريب أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هذا صحيح في زمن أبو عمار الذي كان الأب الروحي والقائد التاريخي للنضال الفلسطيني منذ مطلع السبعينات من القرن المنصرم. لكن فتح أبو مازن تختلف عن فتح أبو عمار. ناهيك عن التعنت الإسرائيلي في السير في عملية السلام منذ قدوم شارون إلى الحكومة الإسرائيلية ومن بعده خلفه اولمرت. أي أن السلطة الفلسطينية كانت في السنوات الأخيرة تعاني من حصار إسرائيلي نتيجة التقدم الذي حصل في عملية السلام وعدم رغبة إسرائيل تقديم مزيد من التنازلات, لاسيما في ظل وجود بيئة إقليمية عربية هزيلة وهيمنة أمريكية على العالم قوامها التعسف والازدواجية في المعايير. من ناحية أخرى, فالدول الغربية تنظر لحماس على أنها منظمة إرهابية وترغب في محاصرتها والقضاء عليها. أي أن الاعتراف الخارجي بحماس غير موجود في هذه الحالة مما زاد من تعقيد الوضع الفلسطيني.
يبدو أن ولادة الديموقراطية في زمن القطبية الواحدة هي

ولادة الديموقراطية في زمن القطبية
«عسيرة» والجنين يولد وهو أقرب إلى الموت

ولادة عسيرة بل قيصرية والجنين السياسي يولد وهو أقرب إلى أن يكون ميتاً. لذلك لم يشفع لحماس وصولها للسلطة بشكل سلمي في العمل تحت ظروف سياسية عادية. السبب هو أن حماس عرفت كمنظمة تقوم فلسفتها السياسية على المقاومة وعدم الاعتراف بدولة إسرائيل, إلا أنه من سوء حظها أنها اعتلت سدة الحكم في رقعة جغرافية تتحكم في مفاصلها الاقتصادية والجيوسياسية إسرائيل نفسها. والشاهد على ذلك هو الاعتقالات لعشرات الوزراء والنواب على أعلى المستويات التي تقوم بها إسرائيل, إضافةً إلى قطع التمويل المالي عن الحكومة الفلسطينية. كما أن حماس نفسها لم تتمتع بالمرونة السياسية في تعاطيها مع الواقع السياسي الذي تعيشه. ما هي الفائدة من اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت؟ نحن نتساءل ايضاً: أين تصريحات خالد مشعل النارية من دمشق قبل عدة أشهر؟ أين الحسابات التي فتحت في مختلف البنوك للتبرع ودعم الشعب الفلسطيني؟ لماذا لم تنجح جهود حماس الخارجية في تعويض الفراغ الدبلوماسي والمالي الذي خلفه تنصل الدول الغربية عن دعم الفلسطينيين في ظل حكومة حماس؟
بل إن تشكيل حكومة وحدة فلسطينية أصبح عملاً شبه مستحيل, ناهيك عن مدى نجاح مثل هذه الحكومة في حالة تشكيلها. فاللجنة الرباعية لها مطالب ثلاثة هي: الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة ونبذ العنف بشكل صريح. لكن المسؤولين في حركة حماس أعلنوا صراحة رفضهم لمعظم هذه المطالب, في وقت ترى فتح العكس. من هنا يبدو أن الوضع الفلسطيني على مفترق طرق مما يحتم على الرئاسة الفلسطينية توخي الحذر في اتخاذ أية خطوة قد تقود إلى مزيد من الاستقطاب الداخلي. فسحب الثقة عن الحكومة وإسقاطها برلمانياً ينظر له من قبل حماس على أنه وأد لوجودها السياسي في الحكم, كما صرح بذلك بعض المسؤولين في الحركة. وبقاء الوضع على ما هو عليه فيه قتل لمقدرات الشعب الفلسطيني وشلل لمعظم أوجه الحياة في القطاع والضفة. ولا يبدو أن هنالك خيارات كثيرة في هذا المجال.
حماس تدرك أن إجراء انتخابات جديدة, في حالة سحب الثقة من الحكومة, قد يؤدي من ناحية أخرى إلى نتائج ليست في صالحها. فحال رجل الشارع الفلسطيني يرثى لها, مما قد يؤثر على قرار الناخب في أية انتخابات قادمة. أية حكومة مهمتها تأمين المسكن والملبس والمشرب للمواطن. وفي حالة عجزها عن ذلك فإنها تفقد جزءًا كبيراً من شرعيتها, رغم إيماننا بالحالة الاستثنائية للوضع الفلسطيني. لكن في نهاية المطاف يفترض أن يكون المواطن عقلاني في سلوكه السياسي ويبني قراره على مقتضيات المصلحة الشخصية والوطنية مما يعني أن حماس وجدت في الوقت غير المناسب وفي المكان غير المناسب.