رأي في الحدث
الجريمة الكاملة !
د. طلال صالح بنان
ليس هناك جديد في التقرير الذي قدمه براميرتز حول اغتيال رفيق الحريري يمكن أن يُعَوِّل عليه من ينتظرون نتائج إيجابية، من وجهة نظرهم، قد تسفر عنها لجنة التحقيق الدولية،
لجنة التحقيق ، ما زالت في مرحلة جمع الأدلة.. وبناء الفرضيات حول ما حدث.. وتصور “سيناريوهات” الحادث، ودوافعه...ثم إن التقرير يمكن أن يكون بمثابة “خيبة” أمل من قبل الأمريكيين والفرنسيين، في ما يخص فرضية علاقة سوريا بالحادث... أو حتى الدخول من باب ما طالبت به قرارات صدرت من مجلس الأمن، خاصة بالقضية وعمل لجنة التحقيق، التي كانت تركز على ضرورة تعاون السوريين مع لجنة التحقيق لقد جاء في التقرير ما يشبه الإشادة بالتعاون السوري،وإن كانت اللجنة تأمل في استمرار تعاون السوريين، في مراحل التحقيق المقبلة.
الشيء الجديد الذي جاء في التقرير، هو: ترجيح العمل الانتحاري على نظرية التفجير عن بعد، سواء عن طريق سيارة الميتسوبيشي، التي كانت تركز عليها التقارير السابقة.. أو نظرية التفجير، من تحت الأرض، في هذا ما يكفي بعدم الأخذ بالاستنتاجات، التي كانت تلمح بها اللجنة، في السابق أيام الرئيس الأول للجنة القاضي الألماني ( ديتليف ميليس )
كل ما أسفرت عنه جولة التحقيق الأخيرة للجنة، وجاء في التقرير، حول نظرية وقوع الحادث: وجود أحد أسنان من يشتبه في كونه الانتحاري الذي قام بالعمل، مع ترجيح الافتراض بأنه لم يكن لبنانياً..!؟ بالإضافة إلى أن اللجنة طورت نظرية جديدة تربط حادث اغتيال الحريري، بحوادث التفجيرات التي وقعت بعد ذلك، وراح ضحيتها عدد من اللبنانيين،البعد السياسي، في المسألة، واضح هناك محاولة لتسخير العدالة، في خدمة السياسة. هناك غموض يكتنف الوضع، من كل جوانبه... يدفع للتساؤل، هل المطلوب كشف الحقيقة، بالفعل.. أو كشف “حقيقة” “سياسية” بعينها. تَدَخُّل مجلس الأمن، في القضية، يُعد سابقة.. البعد السياسي، واضح، إذن: بأبعاده المحلية والخارجية. هناك فريق في بيروت، يربط شرعية مستقبله على نتائج التحقيق ... بل وعلى محاكمة من يعتبرهم وراء الجريمة، سواء من أطراف محلية أو جهات أجنبية. هذا الفريق لا يدفع فقط في اتجاه استمرار عمل اللجنة لحين وصولها إلى معطيات تصب في مصلحته، ولكن تدفع، أيضاً، تجاه تشكيل محكمة دولية للنظر في الجريمة، هناك فريق آخر دولي، له مصلحة في استمرار اللجنة، حتى الوصول إلى دليل، مهما بلغ ضعفه في نظر أية مؤسسة قضائية، يشير و لو من بعيد، للطرف الذي يريدون استهدافه، سواء في داخل لبنان أو خارجها , لخدمة أغراض إدارته للأزمة، من البداية.
في المقابل، هناك في داخل لبنان نفسه، من يرتبط مصيره السياسي، بالنتائج ليس لأنهم وراء الجريمة أو في وضع الحماية لمن ارتكبها، ولكن لمواقفهم السياسية المحلية والإقليمية، التي تتعارض مع مصالح الفريق الذي يدفع تجاه استمرار عمل اللجنة، للوصول إلى “قرائن” مهما كان ضعفها تشير إلى خصومهم المحليين والإقليميين. ثم يمكن القول إن هناك أطرافاً إقليمية ودولية، أيضاً، ليس من صالحها أن يتفاعل الهدف السياسي للأطراف التي تدفع تجاه استمرار اللجنة، مع إمكانية تشكيل محكمة دولية للنظر فيها.
المسألة، إذن: مسيّسة، منذ البداية.. ولابد أن تؤثر فيها تعقيدات السياسة، على اعتبارات توخي العدالة. هناك صراع محتدم بين حيادية ومهنية التعاطي مع القضية، من ناحية، ومصالح ومواقف أطراف سياسية، من ناحية أخرى. تُفترض حيادية الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بمتابعة القضية، وكذا مهنية رئيس اللجنة، سواء الحالي أو السابق، في مواجهة، تفاعل مدخلات سياسية، من قبل أطراف دولية ومحلية، ساهمت في دفع القضية لتأخذ بعداً أممياً وكأنها من قضايا السياسة الدولية العليا، التي يهتم بها مجلس الأمن.. وتنتظر هذه الأطراف، نتائج محددة، من عمل اللجنة وتحقيقاتها، للتقدم خطوات تجاه دفع الأزمة إلى مسارات، لا يكون فيها حاجة لا للجنة ولا لدور الأمين العام للأمم المتحدة فيها.
ولكنْ هناك احتمال أن تتطور حالة من صمود الحيادية والمهنية على التعقيدات السياسية، التي وراء القضية. يمكن أن تستمر هذه المرحلة من التقارير، التي تغرق في تفاصيل النظريات الجنائية.. ودراسة دوافع الجريمة المعقدة.. والتكهن بشخصيات وجنسيات وعدد مرتكبيها.. ومحاولة إيجاد روابط بين الجريمة الرئيسية، وجرائم أُرتكبت، في ما بعد، دون وضوح رؤية يمكن من خلالها تكوين قضية متكاملة يمكن تقديمها لأية جهة قضائية، في نهاية النفق. ترى هل تنتهي القصة، هنا؟!
هذا يعتمد على مدى صمود الاعتبارات السياسية، وراء الدفع نحو تدويل القضية. قد تكون النتائج التي اسفرت عنها الحرب الأخيرة بين إسرائيل ولبنان، لها دور في تحديد مسار القضية، في المرحلة القادمة. هذه الحرب أظهرت صعوبات حقيقية يواجهها الفريق الذي يدفع تجاه تدويل النظر في قضية اغتيال الحريري. أثر نتائج هذه الحرب داخلياً في لبنان، من المحتمل أن يطغى على تناول المسألة دولياً.
يبدو أن تلك الحرب أتت بنتائج عكسية. لم تضعف الحرب من الطرف الذي كان مستهدفاً محلياً.. وفي الوقت نفسه أضعفت الطرف الآخر، الذي كان يأمل في استخدام القضية، لتصفية حسابه ثم إن الحرب، دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في مشروع الشرق الأوسط ( الكبير والواسع والجديد ) الذي كان أحد أسباب الدفع بتدويل القضية، بالإضافة إلى أن الحرب دفعت لتراجع كل القوى الأجنبية، بما فيها الولايات المتحدة، حسابات تجاه الرقم الإسرائيلي في معادلة تواجدها في المنطقة.
في أدبيات الجريمة هناك كلام عن استحالة ما يسمى بالجريمة الكاملة. ولكن تاريخياً، خاصة في الجرائم التي لها علاقة بالسياسة، هناك جرائم كاملة، بعرف السياسة وليس بعرف أجهزة الكشف عن الجريمة، التي تتوخى العدالة. ترى هل نحن أمام جريمة مُحْكَمَة تصل إلى درجة الجريمة الكاملة. قد لا نستغرب أن تُقَيّد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، دولياً، ضد مجهول. السياسة التي فرضت التعامل الأممي مع الجريمة، وقد لا تكون من البداية بعيدة أطرافها عنها، هي نفسها التي قد تفرض الحيلولة دون التوصل إلى الحقيقة والعدالة، بشأنها، لأن الظروف قد تغيرت.. والأوليات جرى إعادة ترتيبها.. والخطط قد تم استبعادها.. والتحالفات قد جرت إعادة تشكيلها..!
أضف تعليقك