من مكونات الثقافة التي تحتاجها جميع المجتمعات اليوم الثقافة المشتركة التي تسعى لتقليص حجم الفجوة والتمايز بين الأغنياء والفقراء و بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. لأن هكذا ثقافة تصنع أرضية نفسية واجتماعية مهيأة لتقبل الخطوات الإصلاحية والمشاريع التنموية و تخفف من حدة التمايز الاجتماعي الذي قد ينعكس سلباً على أبناء المجتمع الواحد. إن خطورة مشكلة الفقر وانتشاره وارتفاع معدلاته على المستوى العالمي دفعت شخصاً كالبروفيسور مشيل تشودو فيسكي, أستاذ الاقتصاد بجامعة أوتاوا بكندا, إلى تأليف كتاب بعنوان «عولمة الفقر».
وتجتمع أسباب الفقر وتفترق بحسب كل بلد ومجتمع ودولة من حيث المكونات الذاتية ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وجغرافياً, فأسباب الفقر في أمريكا وأوروبا وصوره تختلف عن أسبابه وصوره وحدته في آسيا وأفريقيا, فتتقاطع في بعضها وتتباين في بعضها الآخر, وفي المحصلة النهائية, مهما اختلفت الأسباب, فإن الفقر يعيق التنمية لأي وطن يقطنه. ولكن يمكننا الإشارة إلى بعض من أهم تلك الأسباب, خاصة في الدول العربية والإسلامية, منها:
1- ارتفاع معدل البطالة في المجتمعات, بصورة عامة, إذ يصل عدد العاطلين عن العمل في العالم إلى 800

تجتمع أسباب الفقر وتفترق حسب كل مجتمع من
حيث المكونات الذاتية ثقافياً واقتصادياً وسياسياً

مليون إنسان وكلما كانت مدة البطالة أطول زادت متاعبها وانعكاساتها السلبية على مستوى الفقر وحجم الفقراء.
2- الدخل المنخفض للأسر بحيث يصعب عليها مواجهة متطلبات الحياة الأساسية , ففي اليمن على سبيل المثال يعيش 42% من الشعب تحت خط الفقر كما قال وزير الشؤون الاجتماعية والعمل اليمني.
3- غياب عدالة توزيع الدخل القومي(الوطني), فتتحول مناهج إدارة المال العام نحو الارتجال والاجتهاد. بيد أن التوزيع السليم للموارد يُُغني المواطن عن الحاجة للغير. وغياب التوازن في توزيع الموارد على بنود الصرف بحيث تغيب الأولويات بين حاجة الوطن والمواطن.
4- التخلف العلمي والأمية التقنية, وعدم القدرة على التعلم والتعليم, فيعاني –مثلاً- 60% من اليافعين من الفقراء المصريين من داء الأمية!
5- الفساد الإداري وسوء إدارة الأموال وغياب الرقابة عليها, بل وصل الأمر إلى درجة دفعت البنك الدولي لتخصيص تقريره عن التنمية عام 2004 على محور رئيسي وهو ضرورة التأكد من وصول الخدمات للفقراء بسبب الفساد الإداري! لأن المبالغ والمخصصات المعتمدة في الميزانيات لا تصل للمستحقين إلا بنسب ضئيلة! خاصة في الجوانب المتعلقة بالتنمية البشرية المباشرة كالتعليم والصحة, من أمثلة ذلك: لا يصل في نيبال سوى 11% من إجمالي مخصصات الميزانية للمستحقين, و ذات النسبة فقط تصل للشريحة الأفقر في المغرب!
6- ارتفاع كلفة الحياة اليومية وزيادة أسعار جميع احتياجات الإنسان المعيشية من مواد غذائية وملبوسات وتنقلات وعلاج وتعليم وسكن ومستلزماته من مفروشات وأثاث , مقابل الرواتب التي تعجز عن مواجهة كل ذلك.
7- زيادة معدلات الإنجاب في الدول العربية والإسلامية مما يعني زيادة الأعباء العائلية والاجتماعية والمالية والوطنية.
8- انتشار ثقافة الرخاء وضعف الهمة وهيمنة روح اليائس في صفوف الفقراء وبالتالي عدم السعي الجاد لسد الفقر بالطرق المشروعة.
9- غياب وضعف روح التعاون والتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع الواحد, فينعكس الأمر في ضعف قدرة الجهات الخيرية عن القيام بالدور المتكامل والكافي لتغطية احتياجات الفقراء.
10- عدم وجود استراتيجيات وطنية فاعلة لمعالجة الفقر, و غياب الخطط الوطنية التي تعمل على الوقاية منه أو تحد من اتساعه.
11- الانحرافات السلوكية الحارقة لأي مدخرات مالية للفرد أو الأسرة كالإدمان على المخدرات والجنس.
فهل تعي المجتمعات خطورة الفقر وأنه فعلاً يعيق التنمية؟ نأمل ذلك. والله من وراء القصد.
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com