لو كنت مسؤولاً تحريرياً في قنـاة فضائية عربية، لوضعت في اولوياتي، اجراء مقابلات، مطولة، حية و مفتوحة مع جـورج دبليو بوش و ايهود اولمرت، او من يمثلهما او يتكلم باسميهما، وسأطلب ممن يقوم بعمل هذه المقابلات، ان يطرح عليهما الاسئلة الموضوعيـــة، الملحة، مهما بدت جارحة، عن الحـرب القذرة التي تجرى في لبنان، واستقبال وجهات نظر المشاهدين، غير الممنتجة، حولها.
بحكم اننا نبحث عن حقائق في جريمة سياسية، ترتكبها دولة بمباركة وتشجيع مجموعة من الدول، فإن الاستفزاز، ومهاجمة النقاط المتماسكة، الصلبة في مواقف الاشخاص الذين تجرى معهم المقابلات، يعتبر من ابجديات الوصول الى احكام منطقية ومتوازنة، غير محقونة بحسابات شخصية، ايدلوجية او حكومية، وهما يشبهان الى حد بعيد، اسلوب استجواب الشهود والمواجهة بينهم، لاثبات او نفي مجرى معين لمسار الاحداث في الجرائم الجنائية، كما ان المقابلات شكل اعلامي للمسألة بمفهومها الحكومي او الرسمي...!
لماذا؟ لأن التبريرات التي تقدمهــا الدبلومـاسية الامريكية/الاوروبية/الاســرائيلية، لا يمكن لأي عاقل، محدود الذكاء، ان يقبل بها، فكيف بمن يميز، ويفهم تاريخ الصراع بين اسرائيل وجيرانها العرب..!
الجيش الاسرائيلي يخسر جنوداً كل يوم لتحرير اسيرين (معقول!) ويدمر بيروت والشمال اللبناني لنزع سلاح حزب الله فـي الجنـــوب (هل يمكن ان يكون الجيش كله مصاباً بالحول؟) ويستهــدف ويقتــل، بشهادة كوفي أنان، مراقبي الامم المتحدة، ويرســـل مواد كيميائية محرمة دولياً الى لبنان، ويطلب مهـلة، لاكمال ضرب اهدافه، وتــوافق الولايات المتحــدة على اعطائه المهلة، و تزيد عليها بتسخـير ترسـانتها الاعلامية الضخمة لتسهيل مهمته، في مهزلة سياسيــة ودبلوماسية لا

لعل ما يؤلم فعلاً هو ان الاعلام العربي، مشغول هذه الايام، بتصفية الحسابات القديمة، الحروب البينية الصغيرة، والمنافسة غير النزيهة لتقديم الفضائح العربية

اعتقد ان العالم قد عرف مثلها.
روبرت مكيزني (2003) قال في كتابه: مشكلة الصحافة، ان الحقائق السياسية والاقتصادية، في النظام «الليبروديموقراطي» المعاصر، تسمح بمرور قوى كثيرة، ما يُصعب من مهمة وقوف الصحافيين على حقيقة واحدة في القضايا التي يتناولونها. النظام «الليبروديموقراطي» الذي ذكره مكيزني خاص بالحقيقة في المجتمعات الغربية.
رغم تفلسف مكيزني، الكبير، فإن الحقيقة الغائبة او المغيبــة، عن دائرة القوى الغربية، تحتاج الى من يبحث عنها لمصلحة المشاهد الغربي قبل العربي، ويقدمها على طاولة الطرف المتهم بها لاختبارها، خصوصاً ما تعلق منها بالسياسات المنحازة ضد العرب والمسلمين.
حتى لا يُظن بأني متحامل لصالح احد، أياً كان، اقول بأن السفير السوري لدى الامم المتحدة، قال عند استضافته في برنامج لاري كنغ لايف المعروف، في قناة سي..إن..إن، خلال الايام الاولى لضرب لبنان، ان القناة والبرنامج يهتمان بتقديم مشاهد الدمار في اسرائيل ( كنتيجة لضربات الكاتيوشا العنيفة) في الوقت الذي يهملان فيه، ما يجرى في لبنان، ما اضطر لاري كنغ، المتمرس وصاحب الاربعة الآف مقابلـة، كما يقــول فـــي اعــلان برنامجــه، الى تغيـيــر مســار الموضـوع وانهــاء المقابلــة مع السفير السوري.
بصـــراحة و كمشاهد محـايد تـابع البـرنامج كــاملاً، اجد نفسي مـرغماً على الوقوف الى جانب السفير فيما قال، واضيف بأن القدرة العسكرية الجبارة لحزب الله، كانت محوراً اضافياً مؤرقاً ناقشه البرنامج...!
ثم كيف نفسر انحياز الاعلام الدولي الى اسرائيل بهذه الطريقة المكشوفة؟ وما هو الموقف الحقيقي والموضوعي مما يحدث، اذا عرفنا بأن الاعلام الامريكي صاحب سوابق في قلب الحقائق او تحريفها، واذكر خبراً امريكيـاً من العراق، تكلـم عن مايكل كيلي «المراسل» الــذي مات غرقاً في حادث عرضي، ولم يُشر ولو بكلمــة الى كيلي «كــاتب العــــامود» المؤيد بحمـاس لفكــرة الحرب على العــراق، في محـاولة لتأكيد صفة الحيـاد الغربي، وحتى لا تخدش الصورة المثالية، للمراسليـن الــذين ينقلون الحقائق دائماً. هـذا الخبـر، للأسف، تناقلته وكالات الانباء العربية، دون تعديل، وكأن العاملين فيها لم يقرأوا جريدة او يفتحــوا كتـابـاً اجنبياًً، بل و وصل الأمـر الى حد تسجيل اسم كيلي، في قائمة ضحايا الحروب من الصحافيين، وهو في الاساس مشترك في التحريض على حرب..!
في تعريفه للذات والمعنى قال ارفنغ جوفمان (1967) ان تكوين المشاهد والانطباعات الخاصة، وتحديد اماكن المقاومة في موضوع ما، لا يتأثر بتركيبة الاشخاص والمؤسسات، وانما بالقيود المفروضة على الحوار المباشر والصريح في النظام الاجتماعي...!
هذا الفهم له تطبيقاته في آراء الصحافيين التي تؤكد على مواقف السـلطة غير الواضحة او الملتبسة، شرقاً وغرباً، في سلوك ميكانيكي لابراء الذمة، اي دون طلب في بعض الاحيان...!
لعل ما يؤلم فعلاً هو ان الاعلام العربي، مشغول هذه الايام، بتصفية الحسابات القديمة، الحروب البينية الصغيرة، والمنافسة غير النزيهة لتقديم الفضائح العربية المشكوك في صحتها، للمشـاهدين العرب والمتابع الغربي، كخدمة مجانية كبيـرة يــوفرها، دون ان يدري ربما، في خدمة المستفيدين من تدمير لبنان، و المهتمين بإبقاء العرب في حالة تفكك واختلاف، و يقوم على متابعتها بحرص شديد، بعض الصحافيين العرب، المنتفخين ومحدودي الخبرة و التجربة...!
لماذا المراهقات الصحافية العنيفة في هذا الوقت بالذات...؟
binsaudb@ yahoo.com