زيدان.. وغيره من الناس...
حين قام لاعب فرنسا زيدان بنطح زميله الإيطالي ماتيراتزي في صدره في تلك الليلة المثيرة، تشابهت تقريبا ردود فعل المشاهدين من المشجعين لفرنسا، سواء كانوا في أرض الملعب أو ضمن الملايين المتابعين بكل ترقب واهتمام.. فالغالبية ولا شك ساءها الفعل والتوقيت نظرا لما سيترتب عليهما، كانت المفاجأة مذهلة.. فلقد شكل المنظر لطمة مؤلمة لكل مشجع للفريق الفرنسي، كما خلق في الوقت نفسه بادرة أمل أقوى لمشجعي الفريق الإيطالي، فزيدان هو مركز الثقل ومستقر حلم التأهل ومصدر القلق الأكبر بالنسبة للفريق الخصم في ليلة شد الأعصاب تلك.. وعندما انتهت المباراة وخرجت فرنسا، تعمق الغضب أكثر في نفوس محبي الديوك ومشجعيهم، وباتوا أكثر حنقا على زيدان اعتقادا من غالبيتهم بأن النصر كان حليفهم لو أن زيدان لم يُطرد، لأنهم يرون أن خروجه بدد الحلم وأضاع البطولة.
لم يكن هناك أدنى شك في أن شيئا ما أثار زيدان، بل أخرجه عن صوابه كلية، هذا الشيء وحسب ما سيدركه حتى المشاهد غير الفطن لن يكون أكثر من تلقيه شتيمة أو عبارات غير لائقة دفعته لأن ينبري إلى الخلف ويرد عليها بدون تردد، لذا وبعد استيعاب المفاجأة واستعادة التوازن كان هناك موقفان، فبعض الناس كانوا يرون في تصرف زيدان تهورا واندفاعا لا مبرر لهما، إذ كان عليه من وجهة نظرهم تحمل الإهانة أيا كانت وامتصاص أثرها في نفسه ومتابعة اللعب حتى يتحقق حلم الكأس، أما البعض الآخر فهو يعطي زيدان الحق في تصرفه الهجومي معتبرا أن

حتى تكتمل عناصر التخلص من الالتزامات طوال العام لابد من التوقف لالتقاط الأنفاس

قبول الإهانة لم يكن أمرا مستحبا مهما كانت الظروف والملابسات، فالتهجم خاصة إذا كان على الدين أو المحارم جدير بالتصدي له والرد عليه... وسواء كان هذا هو الرأي الصحيح أو الرأي الآخر إلا أن هناك أثرا بينا تركه تصرف زيدان على سير المباراة، هذا الأثر زاد من قوة الارتباك الموجود وصنع سحابة من القلق وأوجد بعض التساؤلات الحائرة، كما رفع بعض المعنويات وخفض بعضها الآخر فكان أن حُسم الموقف لصالح الفريق الإيطالي الذي حصد الكأس بقوة وحماس.
تصرف زيدان هذا.. ذكرني بالناس من حولي عامة وتصرفاتهم في مواجهة مواقف كهذه.. فبعض الناس يثورون سريعا بمجرد أن تلامس آذانهم كلمات معينة سواء صدرت من أفراد معينين أو من غيرهم، هم لا يتحملون سماع أي قول يمسهم فكيف إذا كان في ذلك القول إساءة بالغة إليهم ؟؟ بعض آخر من الناس.. يمتصون التأثير الذي تحدثه الكلمات التي تسيء إليهم ببراعة، فلا يبدون تأثرا بها.. هم يتجاهلونها كأن لم تكن، وبعد حين يأخذون حقهم بشكل أو بآخر، بعضهم قد يختزن الإساءة زمنا طويلا لكنه لا ينسى، لذا فإنه يكيل الصاع صاعين حين تواتيه الفرصة وقد يزيد..بعض آخر من الناس قد «يتمسح» بالإساءة.. هذا النوع يملك أعصابا باردة تتحمل بقوة، تنسى أو تتناسى على الأصح، هذه النوعية لا تحب أن تتعب نفسها أو تعاني أو تتألم، لذا فهي تأخذ الأمور ببساطة وقد تختلق الأعذار للآخرين، أي أنها باختصار «تطنش» بمزاج.
إذن.. سريعو الانفعال يستغلهم من يريد التأثير عليهم، فيرسم الخطط وينفذ وهو يضمن النتائج إلى حد كبير، لأنه يثق بأنهم يفقدون السيطرة على أنفسهم بسرعة ويعرف نقاط ضعفهم فيستغلها، وهم بدون أن يعلموا يحققون أهدافه بأسرع مما يتصور.. المتريثون، يستفيدون من قدرتهم على تمالك أنفسهم، وقد يقلبون السحر على الساحر كما يقولون لأنهم لا ينسون لكنهم يملكون طرقهم الخاصة التي يردون بها على من يسيء إليهم بأفضل الوسائل، أما «المطنشون» سواء بمزاج أو بدون مزاج فهم يشترون راحة أنفسهم، لذا فهم يفشلون خطط الآخرين ويمنعونهم من الوصول إلى أهدافهم خاصة إذا كانت غير سوية، ومن أجل ذلك فإن الكثيرين قد يتجاهلونهم أصلا وقد يحاولون النيل منهم عبر طريق آخر..
عموما.. أعرف أن الغالبية ترى أنه كان على زيدان أن يتصرف بشكل آخر حتى لا يختم تاريخه الرياضي بذلك التصرف المتهور، لكن زيدان كما أتصور.. كانت له وجهة نظر أخرى أضاع من أجلها كل شيء، فهل باع زيدان تاريخه فعلا أم أنه اشتراه في تلك الليلة؟؟
إلى اللقاء..
حتى تكتمل عناصر التخلص من الالتزامات المفروضة طوال العام.. لابد من التوقف لالتقاط الأنفاس والخلود للراحة.. أعرف أن الكتابة عشق لا يفترض أن يشكل التزاما بقدر ما هو بوح وتفاعل وعطاء، لكن الواحد منا يظل بحاجة إلى مراجعة النفس وتقييم الموقف والتأمل المحبب من حين لآخر خاصة في مواسم الإجازات.. أسأل الله عز وجل أن ألقاكم بصحة وعافية وهناء بعد حين.. وكل عام وأنتم وأحبتكم بألف خير.
فاكس 6401574 ص ب ( 30550 ) جدة 21487