رأي في الحدث
بيان الدول الثماني .. الكثير من الثقوب والقليل من الجبن
د. طلال صالح بنان
أخيراً تحرك الكبار ليتعاملوا مع أزمة افتعلها الصغار. بيان الدول الثماني الكبرى الذي صدر عقب اجتماعهم في سانت بطرسبرغ في روسيا، أول أمس، مثل الجبن السويسري فيه الكثير من الثقوب، اكثر مما فيه من الجبن.
بدا من ذلك البيان توجه متواضع، يفتقر إلى الجدية اللازمة، لتفعيل حل حقيقي للأزمة، من جميع جوانبها. حتى ما بدا أنه توجه للتعامل مع الأزمة بمستوى خطورة استمرارها، كما وردفي ديباجة ذلك البيان، ظهر في بنود البيان اللاحقة، وكأنه يعكس موقف إسرائيل على حساب الطرف الآخر... بل وعلى حساب السلام.
لقد طالب البيان، في بنده الأول، بعودة الجنود الإسرائيليين الأسرى، دون الإشارة إلى مبدأ تبادل الأسرى، أو الإشارة إلى مطالب الطرف الآخر، في قضية الأسرى... وإن كان البيان حاول أن يتعرض لهذه القضية، عندما أشار، في البند الأخير من الخطة المطروحة إلى إطلاق إسرائيل لرموز السلطة الفلسطينية المعتقلين لديها. وكأن البيان لا يكفيه انحيازه لموقف إسرائيل في قضية أسراهم، لنجده في البند الثاني يقدم مطلباً إسرائيلياً، على مطالب الطرف الآخر، عندما تكلم عن وقف عمليات القصف على الأراضي الإسرائيلية، قبل أن يتكلم في البند الثالث والأخير من مشروع ذلك البيان عن وقف العمليات الإسرائيلية على لبنان وغزة... وزاد عليه الانسحاب السريع للقوات الإسرائيلية من غزة..!؟
حتى عندما حاول البيان أن يكون متوازناً نراه يعكس وجهة النظر الإسرائيلية. إسرائيل ليس عندها مشكلة في الانسحاب من غزة، فهي لا تريد البقاء في غزة، على أي حال.. وليس لديها مصلحة في الحفاظ على رموز السلطة الفلسطينية لديها، عدا حجزهم كرهائن إلى أن يُطلق سراح جنديها لدى الفلسطينيين، وهذا ما تكفل به البند الأول من الخطة. أيضاً: البيان خلا من لوم مباشر لإسرائيل برد فعلها العنيف في الأزمة، وإن كان ألقى باللائمة كليةً على من أسماهم القوى المتطرفة التي تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة والقضاء على تطلع الفلسطينيين والإسرائيليين واللبنانيين إلى الديموقراطية والسلام..!؟ ليس هذا فحسب... ولكن البيان أخلى إسرائيل من أي مسؤولية، سياسية ومادية وأخلاقية، تجاه رد فعلها العنيف والمفرط في رعونته، عندما أقر أن ما فعلته إسرائيل، لا يعدو عملاً من أعمال الدفاع عن النفس.. وإن دعاها إلى «إثبات أكبر قدر من ضبط النفس»، طبعاً، بعد خراب مالطة..!؟
لم تكن وزيرة الخارجية الأمريكية مخطئة عندما تكلمت عن عدم جدوى المطالبة بوقف إطلاق النار، في هذه المرحلة، وهو المطلب الذي جاء في ديباجة بيان الدول الثماني . تقييم رايس، هنا، بالقطع لا يعكس جزعاً من استمرار الأزمة في شكلها الإنساني والسياسي الخطير، ولا احتمالات انتشار رقعة المواجهة..!؟ رايس هنا كانت في حقيقة الأمر، تواصل تعبيرها عن الموقف الأمريكي، الذي عرقل قبل يومين، صدور بيان من مجلس الأمن، حتى تتوفر ظروف أكثر ملاءمة لإسرائيل، لتجني سياسياً عائد إدارتها العنيفة وغير المتوازنة للأزمة.
في النهاية جاء بيان الدول الثماني، من باب رفع العَتَب دون أن يعكس إرادة حقيقية لاحتواء الموقف. البيان مثل الجبن السويسري فيه الكثير من الثقوب والقليل من الجبن، يُمَكَِّن للمواقف أن تتسلل من الثقوب، دون أن تلامس الجبن. وتبقى الأزمة مرشحة للتصعيد والتوسع، بعيداً عن إرادة إقليمية ودولية حقيقية لاحتوائها.
أضف تعليقك