«اتفاق مراكش عام 1994 الذي تأسست بموجبه منظمة التجارة العالمية أكد تحقيق الرفاهية للناس عن طريق التجارة واليوم لا احد ينكر أن المنظمة فشلت في ذلك وما يشهده العالم هو تركيز «الرفاه» الذي تنتفع منه الأقلية فحسب في حين يواصل الفقر الازدياد والأسواق تواجه تعاظم عدم الاستقرار خصوصا في قطاع المال والاقتصادات الوطنية تنهار وتستفحل اللامساواة بين الدول وداخلها» من «نداء إلى مواطني العالم» الصادر عن برلمان جنيف (عاصمة المال في العالم) في سنة 2000 بمناسبة انعقاد منتدى دافوس (سويسرا).
تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة رؤساء دول وحكومات (188 دولة عضواً) والآلاف من ممثلي المنظمات غير الحكومية والهيئات الرسمية والمنظمات الدولية عقدت على مدى التسعينات وحتى الآن عدة قمم عالمية لمناقشة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الساخنة التي تمثل تحديات خطيرة تواجه المجتمع الدولي ومن أبرزها قمتا الطفولة (1990) في هلسنكي و(2001) في نيويورك، وقمتا الأرض (1992) في ريودي جانيرو و (2002) في جوهانسبرج، وقمة حقوق الانسان (1993) في جنيف، وقمة السكان (1994) في القاهرة، والقمة الاجتماعية (1995) في كوبنهاجن، وقمة المناخ(1997) في كيوتو باليابان وقمة المياه(2006) في المكسيك. وفي المقابل فان الدول الصناعية الكبرى في العالم عقدت اجتماعات عدة باتت تعرف باجتماعات الدول الثمان (G8) والتي تضم الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وروسيا وايطاليا، إلى جانب اجتماعات منتدى «دافوس» الشهير الذي يضم رؤساء وممثلي حكومات الدول الصناعية الكبرى والشركات عابرة القارات (متعددة الجنسية) والهيئات والبنوك الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإعمار) ومنظمة التجارة العالمية مع مشاركة محدودة لزعماء وممثلي قطاع الأعمال والمجتمع المدني في البلدان النامية، ويندرج في هذا الإطار

تكمن أهمية هذه الاجتماعات في الإقرار بأهمية قضايا التنمية واحترام مبدأ الديمقراطية

اجتماعات نادي باريس الذي يضم الدول الغنية (الدائنة) و دول الجنوب (المدينة) والبنوك الدولية التي تناقش موضوع الديون والفقر في العالم.
-- تكمن الأهمية الخاصة لهذه الاجتماعات الدولية في الإقرار بأهمية قضايا التنمية وما يرتبط بها من مفاهيم العدالة الاجتماعية واحترام مبدأ الديمقراطية في العلاقات الدولية بوجه عام، والعلاقات الاقتصادية بوجه خاص، وحق الشعوب في إدارة شؤونها واختيار مسار تطورها التنموي الخاص بها، واحترام التعددية الثقافية والحضارية التي أخذت تتصدر من جديد اهتمامات الرأي العام والمجتمع الدولي وشعوب العالم المختلفة، بعد أن كادت تختفي من قاموس التداول الوطني والعالمي تحت وطأة التبشير الأيدلوجي للسلفية الاقتصادية (النيوكلاسيكية) التي جعلت من اقتصاديات السوق والليبرالية الاقتصادية المنفلتة العصا السحرية القادرة على حل كل المشكلات التي تواجهها البشرية في المجتمعات الصناعية المتطورة والبلدان المتخلفة في الآن معا. وتؤكد المعطيات والإحصائيات بان معضلات التنمية وأنماط النمو ليست حكرا على بلدان الجنوب الفقيرة بل تشمل في الوقت نفسه البلدان الصناعية المتطورة، كما تتفاقم المشكلات الاقتصادية الأخرى كالركود الاقتصادي المقترن بالتضخم، وازدياد نسبة الفقر والعجز في ميزان المدفوعات، وتعاظم المديونية الداخلية والخارجية، وتدهور وتقليص مستوى الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والسكن والضمان الاجتماعي، وتعميق وانتشار التفكك الاجتماعي وتزايد معدلات الجريمة المنظمة وغسيل الأموال والاتجار بالمخدرات، واهتراء وتفسخ عالم رجال المال والأعمال والسياسة، وضمور الاهتمام بالشأن العام السياسي/ الانتخابي/ الرقابي وتضاؤل الثقة بالأحزاب الحاكمة. في ظل هذه الأوضاع التي تتسم بالشك والإحباط وغياب اليقين، تبلورت قوى وتيارات يمينية (محافظون جدد) وأصولية جديدة مرتبطة بهذا الشكل أو ذاك بالهجوم العام الذي يشنه رأس المال ضد كل توجه قد يعيد الحياة إلى مفهوم دولة الرفاه ومكاسبها الايجابية الذي ساد وطبع حياة المجتمعات الصناعية الغربية طيلة الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينات.
- تعمق الأزمة الهيكلية التي أخذت تطل بقوة في معظم اقتصاديات الدول الصناعية تزامنت مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار النموذج السوفيتي ،وضمن هذا المنحى تصاعد البحث المحموم عن أعداء جدد للغرب، ووجدت القوى اليمينية و الفاشية الجديدة ضالتها في المهاجرين الأجانب وجلهم من بلدان الجنوب زاعمة بأنهم السبب وراء أزمة البطالة والمشاكل التي تعانيها تلك المجتمعات، وفي الوقت نفسه أخذت تروج بأن الخطر الرئيسي انتقل من الشرق إلى الجنوب وتحديدا إلى المنطقة العربية والإسلامية وذلك تحت عنوان محاربة الإرهاب الأصولي (وخصوصا اثر أحداث 11 سبتمبر الإرهابية) والعنف والتطرف الديني الذي بات يهدد امن واستقرار وتقدم الحضارة الغربية، وفي سعي الرأسمالية المشغولة بإدارة الأزمة وليس في إيجاد حلول حقيقية لا تملكها لأنها تعني ببساطة البحث عن بديل حقيقي لها غير موجود حاليا وعن قوى اجتماعية قادرة على تامين البديل الآخر وهي غير متوفرة أيضا، فإنها تلجأ إلى ترحيل الأزمة وإدارتها عن طريق تحميل إفرازاتها لقوى العمل بما في ذلك الطبقة الوسطى في بلدانها، وكذلك بلدان و مجتمعات الجنوب التي تئن تحت وطأة الفقر والبطالة والأمية والمديونية والاستبداد والجوع والعنف والإرهاب والكوارث البيئية والاجتماعية والصحية والحروب الأهلية.
التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو :هل بالإمكان فصل التنمية الاجتماعية العالمية عن البيئة الاقتصادية والسياسية الدولية خصوصا في ظل العولمة وتدويل مختلف فروع الإنتاج والتبادل والمال والتجارة والخدمات مع ما يرافق ذلك من استقطاب حاد بين دول المركز التي تشكل نواة المنظومة الاقتصادية العالمية ودول المحيط التي تشكل أطرافها؟