وإذا كان هذا هو موقف القانون الدولي الذي يخول الدولة الصلاحية التامة في الدفاع عن مواطنيها، فقد لاحظنا أن بعض العناصر الحاقدة التي تحركها الصهيونية تحاول جاهدة اتهام المملكة بدعم الإرهاب عندما تدافع عن مواطنيها، بالرغم من أن المملكة كانت من أوائل الدول التي أدانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهي التي تعاني من هذه الجرائم بالاعتداء على مواطنيها في الخارج ثم الاعتداء عليهم في الداخل، وإذا قام بعض الأفراد بارتكاب جرائم إرهابية -هذا إذا افترضنا جدلاً ارتكابهم لمخالفات فعلاً- فالمملكة ليست مسؤولة من حيث المبدأ عن التصرفات التي تقع داخل أراضيها من المواطنين وتحدث ضرراً للغير طالما أنها قدمت للأجانب المتضررين الحماية المعقولة، إذ ليس بوسع أي دولة منع وقوع تجاوزات على الأجانب المقيمين على أراضيها، وهو ما أكدته المحكمة العليا الأمريكية سنة 1887م في قضية Arjuna والمحكمة الدائمة للعدل في قضية Lotus. أما فيما يتعلق بالأفعال التي يرتكبها المواطنون خارج أراضي دولتهم فهم يخضعون لاختصاص الدولة التي يقيمون على أراضيها ويرتكبون مخالفاتهم فيها، ودولتهم غير مسؤولة من حيث المبدأ عن تصرفاتهم هذا من جانب، ومن جانب آخر فمن حق المواطن على دولته أن تحميه إذا لحقه ظلم طبقاً لأحكام القانون الدولي المستقرة المقننة في اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، ولذلك فإنه حينما تدافع المملكة العربية السعودية عن رعاياها، كما تفعل الدول الأخرى، فلا يحق للآخرين اتهامها بالإرهاب أو بدعمه لأن ذلك حق مشروع لكل دولة في أن تحمي رعاياها وتدافع عنهم إلى أن يثبت ارتكابهم للجرم حقيقة، ومن ثم تسعى لتخفيف العقوبة عنهم طبقاً للأنظمة السارية المفعول في الدول التي يقيم فيها الفرد تمشياً مع مبدأ الاختصاص الإقليمي، وما تقوم به المملكة بالدفاع عن المعتقلين السعوديين في جوانتانامو هو

بوش أقر بأن المعتقل أعطى فرصة لانتقاد بلاده لفشلها في الحفاظ على القيم التي تدعيها..!!

أسوة بالدول الأخرى كالكويت وبريطانيا واستراليا وفرنسا وغيرها من الدول التي بذلت جهوداً مقدرة في الدفاع عن رعاياها المحتجزين في جوانتانامو، وهذا الأمر يجب أن يفهم من هذا الباب وليس من باب دعم الإرهاب أو الإرهابيين وقد سبق وأن أكد صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، موقف المملكة الثابت الذي يدعمه القانون الدولي في تقديم الحماية للمواطنين عندما أكد لأهالي المعتقلين عند التقائه بأسر المعتقلين كما جاء في صحيفة «عكاظ» في 20/4/1424هـ بقوله: «إن مشاعرنا معكم ونقدر مشاعركم كآباء وكإخوان ونقدر مشاعر الأمهات وكل أسرة أصيبت بفقد ابن من أبنائها أو أكثر لذلك أؤكد لكم كل التأكيد أن مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد كانا مهتمين جداً وكثيراً بأبنائكم وكانا يتابعان ظروفهم منذ أن علما أنهم قبض عليهم وسمّوا بأسمائهم وظهر عددهم».
وإذا كان الشيء الطبيعي هو إدانة العالم أجمع للإرهاب، بصدور العديد من القرارات الدولية منها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1368 الذي أدان الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من قبله قرار مجلس الأمن رقم 1333 الذي أدان حركة طالبان فإن الشيء غير الطبيعي هو حجز هؤلاء الأسرى في معتقلات جوانتانمو، دون أدنى حق من حقوق الإنسان، وإزاء هذا الوضع تحركت معظم الدول التي لها رعايا محتجزين في معسكر جوانتانامو للدفاع عنهم، وكذلك تحركت المنظمات الدولية لمعالجة هذا الوضع الشاذ، وبحكم العلاقات الودية الطيبة التي تربط المملكة والولايات المتحدة الأمريكية، وبدعم من الضغوط الدولية تحركت الدبلوماسية السعودية منذ وصول هؤلاء الأسرى لمعتقل جوانتانامو لإيجاد السبل الكفيلة بتسليمهم إلى السلطات المختصة في المملكة لمحاكمتهم وإطلاق سراح البريء منهم ومعاقبة من يثبت تورطه في الأعمال الإجرامية، ويدعم موقف المملكة نظامها الداخلي المتمثل في الشريعة الغراء التي تحارب الإرهاب بشتى صوره وأشكاله، والتزاماتها بكافة الاتفاقيات الدولية المناهضة للإرهاب في الجو والبحر والبر. وقد نجحت الدبلوماسية الهادئة للمملكة بإطلاق العديد منهم تباعاً، وأكد سمو وزير الداخلية قرب الإفراج عن بقية الأسرى بإذن الله سبحانه وتعالى.
ويتضح مما سبق أن الوسيلة التي أثبتت جدواها في عملية إطلاق الأسرى تباعاً هي وسيلة الطرق الدبلوماسية، ومع ذلك لا يمكن إغفال الوسائل الأخرى المتمثلة في الجهود التي قام بها فريق المحامين والذي كنت عضواً فيه. وكذلك جهود جمعيات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، والأحكام الصادرة من المحاكم الأمريكية وعلى رأسها المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية، ومما لا شك فيه أن البادرة التي اتخذتها الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان المتمثلة في نيتها لعقد ندوة عن حقوق الإنسان المنتهكة في جوانتانامو كما جاء في صحيفة عكاظ العدد 1814 بتاريخ 9/5/1427هـ، تشارك فيها جمعيات حقوق الإنسان بدول مجلس التعاون والجهات المختصة في المملكة، ويدعى للمشاركة فيها الخبراء المعنيون بموضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعرض لها المحتجزون سيدعم في إنهاء القضية، ويعزز جهود السلطات المختصة في المملكة من خلال الدبلوماسية الهادئة المتواصلة الحثيثة في انهاء محنة هؤلاء الأسرى، خاصة أن هناك بشائر لإغلاق سجن جوانتانامو كما طالعتنا صحيفة عكاظ في عددها 14537 بتاريخ 19/5/1427هـ فقد جاء في صدر صفحتها الأولى بأن «الرئيس الأمريكي بوش قال إنه يريد إغلاق معتقل جوانتانامو، وأقر بأن المعتقل أعطى فرصة لانتقاد الولايات المتحدة لفشلها في الحفاظ على القيم التي تدعيها». وهذا هو عين الصواب ونتمنى أن تنفذ الإدارة الأمريكية قولها في أسرع وقت ممكن حتى تحافظ على علاقاتها الطيبة مع الدول العربية والإسلامية المحبة للسلام، وعلى مختلف مصالحها مع هذه الدول وأن لا تسير خلف الأصوات التي تجعلها وحيدة في العالم.
* عضو مجلس الشورى- عضو متعاون في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان