العنف في العراق.. فتش عن الاحتلال
الحالة الأمنية في العراق ازدادت تدهوراً بعد مقتل زعيم القاعدة في أرض الرافدين أبي مصعب الزرقاوي، الذي تزامن مقتله مع ما قيل عن خطة أمنية جديدة دشنت بها حكومة جواد المالكي عهدها الجديد. لم يعد أحد في العراق آمناً، حتى أعضاء الجمعية الوطنية، التي أتت بحكومة المالكي للحكم. يوم الجمعة قبل الماضية اُخْتُطفت نائبة في الجمعية الوطنية، كما تعرض، بعد ذلك بيوم، موكب أحد النواب لهجوم، بالكاد نجا منه، وإن أصاب أفراد حمايته. أما عن الأمريكيين فحدث ولا حرج... يومياً يُفقد لهم في العراق ما معدله 3 جنود... خسارة لا نظن أن الأمريكيين سيتحملونها طويلاً، مع تكلفة الاحتلال (المادية) المتزايدة، التي تزيد عن مليار دولار يومياً... بالإضافة إلى تكلفة الاحتلال (الأخلاقية) الناتجة عن ممارسات الجنود الأمريكيين غير المنضبطة، التي تعكس حالة معنوية متردية بينهم، ربما لشعورهم أنهم يخوضون حرباً في العراق لا يؤمنون بقضيتها، بعد أن ثبت لهم تضليل قادتهم العسكريين وزعمائهما السياسيين، في واشنطن، في ما يخص أسباب حملة الغزو والإصرار على خوض تجربة احتلال مريرة يعرفون مسبقاً عدم استطاعتهم كسبها.
باختصار: المشكلة الأمنية المتفاقمة في العراق، هي سياسية في الأساس. حكومة المالكي لم تكتف باعتماد خطة أمنية، قيل إنها مُـحْكَمة، تشترك فيها قوات الأمن العراقية وقوات التحالف في العراق، ولكنها اتْبَعتها بخطة للمصالحة الوطنية حاولت بها أن تحوم حول الحمى، دون أن توغل فيه. لقد اعترض على مشروع المصالحة هذا قطبا الأزمة الرئيسين، في الساحة العراقية، بعيداً عن تشكيلة الجمعية الوطنية وحكومة المالكي. التيار الصدري قال: إن خطة المصالحة

باختصار: المشكلة الأمنية المتفاقمة
في العراق، هي سياسية في الأساس

تكلمت عن إمكانية استيعاب عناصر البعث، التي لم تكن لهم علاقة مباشرة وأساسية في النظام العراقي. كما اعترضت على خطة المصالحة هيئة علماء المسلمين، التي تمثل التيار القوي للعرب السنة، لأن الخطة خلطت بين مقاومة الاحتلال والإرهاب. بالنسبة لهذا الفريق، الأخير: المقاومة السلبية للاحتلال، سواء كانت سياسية وغيرها، لا تتكفل بإنهاء الوجود الأجنبي في العراق، الذي جاء في الأساس بفعل حملة غزو عنيفة إلى العراق.
هناك، إذن، أزمة سياسية مستحكمة في العراق، تفسر إلى حدٍ كبير حالة عدم الاستقرار المتردية هناك، ولابد من الالتفات إليها قبل محاولة تبصر أي مخرج عملي للأزمة التي أحدثها غزو العراق.. ويتحمل إلى حد كبير مسؤولية تبعاتها، الدول التي قادت ذلك الغزو وساهمت فيه.. وتلك التي تتشكل منها قوات الاحتلال، التي يطلق عليها قوات التحالف. قد يكون الغزو نجح عسكرياً في الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، إلا أنه فشل استراتيجياً في تحقيق أهدافه السياسية من ذلك الغزو... وهذا ما يُمَثل الخلفية السياسية لما يجري من عنف متزايد في العراق.
المستهدف في العراق، من قبل الجماعات المسلحة، ليس حالة الاستقرار والأمن فيه، ولكن بالدرجة الأولى، مشروع الاحتلال السياسي، لإعادة ما تطلق عليه قوى الاحتلال الأمريكية والبريطانية إعادة بناء العراق سياسياً، من جديد. خطة إعادة الإعمار هذه، التي يروج لها الاحتلال هي خطة طموحة تتعدى ما أُعلن من أسباب للغزو في ما يخص تقويض دعائم نظام سياسي قائم، إلى مشروع تقويض دعائم مجتمع قائم، بمؤسساته وقيمه التقليدية.. وبناء مجتمع جديد كليةً في حركة مؤسساته ونظام قيمه وأسس شرعيته السياسية. ومن ثّمّ جعل العراق الجديد نموذجاً تحتذي به مجتمعات المنطقة لنشر الديموقراطية ممارسةً وقيمةً.
الهدف السياسي الذي يتطلع إليه من قام بالغزو، يتلخص في: إيجاد نظام سياسي في العراق بديلاً عن ذلك الذي كان سائداً قبل الغزو، يؤسس حكمه على شرعية سياسية غير تقليدية، يمكن تعميمه بعد ذلك على مجتمعات المنطقة بوصفه نموذج للتنمية السياسية العصرية..!؟ هذا النموذج، الذي من المفترض أن ينطلق من التجربة العراقية، التي أتى بها الاحتلال في حال نجاحه متوقع أن يتكفل، من وجهة نظر مؤسسات صناعة القرار في واشنطن ولندن، ليس فقط بضمان «عصرنة» مجتمعات المنطقة، بغض النظر إذا كان ذلك ملائماً وممكناً أم لا، فحسب... بل، وأهم من ذلك: القضاء، كما يزعمون، على جذور الإرهاب وعناصر عدم الاستقرار الكامنة في نظام القيم التقليدي، التي تؤسس عليه أنظمة الحكم القائمة شرعيتها.
فرضية، في الأساس فشل غزو العراق في إثبات صحتها، فأدخلت قوات الاحتلال في مستنقع لا تعرف كيف تخرج منه.. وأدخلت العراق، بالتبعية، في نفق لا يبدو في نهايته قبسٌ من ضوء. بالإضافة إلى احتمالات عدم الاستقرار الإقليمي، الذي يثيره استمرار حالة عدم الاستقرار في العراق.
في الختام: العبارة التي صدرت عن وزير الخارجية السابق كولن باول، في محاولة لتبرئة نفسه عن دوره في حملة الغزو، وما قادت إليه من احتلال للعراق، تلخص كل القضية، عندما قال للرئيس بوش، طبعاً بعد أن ترك حقيبة الخارجية الأمريكية، لابنة جلدته اللدود كونديليسيا رايس: أنت الذي كسرت العراق، فعليك أن تصلحه. ولكن يبدو أن الرئيس الأمريكي وإدارته خبراء في تكسير الأشياء وليس إصلاحها.