قد يشكك البعض في قدرة العقلية العربية وعجزها، بحكم تكوينها، عن التفكير العلمي وبالتالي البحث العلمي أيضاً، كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد أبو زيد عن الهاجس الذي تسلط بقوة على أذهان بعض المشاركين في ندوة عن (الثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي) التي عقدتها مجلة العربي الكويتية في الفترة من 3-5/12/2005م حيث قال:
«وكان الهاجس الذي تسلط بقوة وفي غير هوادة على أذهان المشاركين في تلك الندوة هو البحث عما إذا كانت العقلية العربية عاجزة بحكم تكوينها عن التفكير العلمي وهل يمكن لها الخروج من تلك الحلقة المحكمة التي تمنع من حرية الانطلاق إلى آفاق العلم الحديث الرحيبة».
مع رفضنا لهذه الفكرة من حيث المبدأ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يميز في الخلق والتكوين بين عقول البشر. إلا أن أصل هذا التشكيك ينبع من واقعنا العربي الممل والمزعج في طريقة التفكير التي ندير بها حياتنا كمجتمعات ودول وأزماتنا التي لا تنتهي ونظرتنا للعلم والعلماء وكيفية التعامل معهم وتغليب التفكير السطحي والقشري على التفكير العلمي والمنهجي، وحضور العاطفة بدلاً من المنطق في تعاملنا مع أنفسنا ومحيطنا... وللأسف الشديد أن تعليمنا في الوطن العربي يكرس هذا الاتجاه

التعليم يكرس الفكر السطحي بدلاً من غرس البحث العلمي وتعلم قراءة الأمور وتحليلها

بدلاً من غرس حب البحث العلمي وتعلم الأسس المنطقية بالبرهان والدليل في قراءة الأمور وتحليلها.
وقد تتعدد أسباب ضعف البحث العلمي في البلاد العربية ولكن نتطرق إلى أهمها:
1- غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بحيث يبقى الطالب متعاطياً مع الأمور النظرية والعملية والحياتية بطريقة تفاعلية وعاطفية، بينما ينبغي أن يتعلم التعامل معها بالطرق العلمية والمنطقية، ويعود ذلك إلى رخاوة الأسس التعليمية المعتمدة في الوطن العربي.
2- عدم استهداف صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم الدراسي الأولي والعالي وما بينهما.
3- غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين، وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع.
4- الفهم الخاطئ للزمن، والتعامل النمطي والتقليدي لمفهوم الزمان –التاريخ والحاضر والمستقبل–، بحيث أصبح المواطن العربي يتعلم على تكرار الدوران والبحث في صفحات الماضي بخيره وشره فيعيش الماضي أكثر مما يعيش الحاضر، أو الانشغال الدائم بصفحات الحاضر المرير فيعيش انكساراته وتوتراته أكثر من البحث في معالجاته وآماله، فيبتعد عن التفكير الرحب في وضع الإجابات اللازمة لأسئلة المستقبل ومتطلباته بالبحث ومحاولة الاستكشاف واستشراف المستقبل، بل قد يعمل –أحياناً- على تقييد الإبداع والمبدعين ووصم الناظرين إلى المستقبل بالضاربين في الغيب!.
5- شح الموارد المالية المخصصة للبحث والباحثين في ميزانيات الجامعات والدول لغياب إستراتيجية البحث العلمي في الدول العربية، أو لسوء السياسات الخاصة بالبحث العلمي ورفع مستوى التفكير العلمي السليم، ويمكن للمرء أن يطالع الفارق الكبير سنوياً بين عدد شهادات براءة الاختراع المسجلة في الدول الغربية والأوربية والشرق الآسيوي ويقارنها بالشهادات المسجلة بالدول العربية مجتمعة.
6- القيود الشديدة التي يفرضها الغرب المتقدم علمياً وتكنولوجياً على حرية تداول المعلومات وانتشارها بين دول العالم الثالث المتخلف، واحتكار عمليات إجراء البحوث العلمية بفضل قدرته المالية الهائلة والاحتفاظ بنتائجها لنفسه، وحرمان تلك الدول بالتالي من الاستفادة من الجهود التي بذلت في الغرب والاستعانة بها كعامل مساعد في القيام بأبحاث جديدة، يمكن –في حالة إتمامها بنجاح– أن تسهم في مسيرة التقدم العلمي على المستوى العالمي من ناحية، وتخليص هذه الشعوب ذاتها من وصمة التخلف من الناحية الأخرى.
بيد أن من القواعد الضرورية لتأسيس البنية التحتية التي تسهم في إحياء وإنعاش العقلية العربية وبالتالي دفع عجلة التنمية البشرية في البلاد العربية سيعتمد على حجم وطبيعة الجرعات المستمرة التي سيقدمها التعليم في هذا المضمار.
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com