«اختلال الأسرة قد يعني اختلال المجتمع والوطن». هذه الجملة المختصرة تختزل نتائج عشرات السنين من الجهد والوقت والمال والدراسات والبحوث التي ابتغت إثباتها كحقيقة تعيشها المجتمعات والأوطان. ومن أفضل المعالجات الوقائية والعلاجية لأغلب المشكلات الأسرية والظواهر الأسرية السلبية ومنها العنف الأسري وغيرها من المفضيات للتعاسة الأسرية والتفكك والطلاق، من أفضلها العمل على خلق واختلاق التكيُّف الزواجي، لأن التكيُّف بين الزوجين هو المفتاح للتوافق على أكثر المحاور المشتركة بينهما وإن اختلفت وجهتا نظرهما حولها، وبالتالي تخفيف مصادر التوتر والنزاع، وتهيئة الأجواء الأسرية دائماً لتكون سلمية ومستقرة.
والتكيف الزواجي لا يحدث بمجرد أن يقرر الزوجان التكيف مع بعضهما، لأن هذا القرار هو الخطوة الأولى فقط، ويفترض أنهما قررا ذلك عندما اختارا بعضهما في فترة الخطوبة. لذا فإن الحياة العملية المشتركة بينهما تستغرق وقتاً طويلاً كي تصل للتكيّف الطبيعي والعفوي بينهما. وحيث إن مفردات الحياة المشتركة المطلوب التوافق عليها كي يصل الزوجان للتكيف المشترك كثيرة مثل : إدارة المنزل، تربية الأولاد، إنفاق المال، العلاقة الجنسية، العلاقة مع أسرة الزوج أو الزوجة، النظرة إلى الدين والعرف والتقاليد والمجتمع، النشاط الاجتماعي، اختيار الأصدقاء والتردد عليهم، كيفية تمضية أوقات الفراغ، الطهارة الجنسية،

التكيّف الزواجي هو غاية السلم الأسري وتحتاج من الزوجين أن يعملا عليها منذ اختيار الشريك

الصحة العامة، المرح والميل إلى البهجة، النظرة إلى الذات والآخرين، والطموحات والهوايات... فقد يتوافقان على مفردة أو مفردتين خلال فترة قصيرة، ولكنهما قد يحتاجان إلى سنوات للتوافق ومن ثم التكيف على مفردة أخرى. فالمفردة وتفاصيلها هي المحددة للوقت الذي ستستغرقه عملية التكيف حولها. وربما تنتهي حياة الزوجين بينما مفردة هنا أو هناك لم يتكيفا على التعايش المشترك حولها!
ولعل الإرشاد قبل الزواج من أهم العوامل الدافعة لنجاح الزوجين في التكيف الزواجي، وقد مارسه الآباء والأمهات مع أولادهم وبناتهم قديماً، وكذلك الأصدقاء مع أقرانهم، بينما في هذا العصر أصبحت هناك مكاتب متخصصة بتقديم النصائح قبل الزواج بشأن واجبات كل من الزوج والزوجة في العائلة والسلوك الطبيعي بينهما وبين أولادهما مما يساعد على الهناء الاجتماعي والجنسي والثقافي وإيجاد العلاقات العاطفية الكافية بين الزوجين. ويستهدف الإرشاد قبل الزواج : إعداد الزوجين للعلاقة الزوجية بكل مسؤولياتها، محاولة إيقاف ردود أفعالهما العدائية في التفاعل الزواجي، تحسين أسلوب التواصل والتحاور بينهما، مساعدتهما للوصول لأساليب فعالة في تسوية خلافاتهما، والتعرف على أسباب الصراع وتبصيرهما بها وإتقان حل الصراعات بالطرق السلمية... لذا من الضروري السعي لإنشاء هذه المكاتب في جميع المناطق من مجتمعاتنا العربية والإسلامية لتأهيل المقبلين والمقبلات من شباب وشابات أمتنا على الزواج.
ولكن عملية التكيّف الزواجي تواجهها صعوبات متنوعة لأنها متعلقة بالتنازلات الذاتية من قبل الزوجين، فيعمل كل واحد منهما على مساعدة الآخر في الوصول إلى مراده سواء في آن واحد، أو كيفما قربت الظروف المحيطة مراد أحدهما قبل الآخر. أي يحتاج الأمر إلى تقديم مستوى من التنازل المتبادل وتغيير الذات من الطرفين باستمرار كي يصلا لنقاط وسطى مشتركة بينهما. لذلك يتعلق معنى التكيف في علم النفس الاجتماعي بتغيير سلوك الفرد كي يتفق مع غيره من الأفراد... لذا فإن المعاندة من أحد الطرفين للتمسك بما يحب أو يكره، وبالقناعات الجامدة، وبالأنا الفردية، تجر بشكل عفوي إلى المزيد من التنافر فالتباعد فالحكم على انهيار الأسرة أو تفككها.
فالتكيّف الزواجي هو وسيلة غايتها السلم الأسري وتحتاج من الزوجين أن يعملا عليها منذ التفكير الأولي في اختيار شريك الحياة الأسرية عبر تجاوز الصورة المثالية للزوج أو الزوجة، والتوازن بين الصورة المثالية والصورة السلبية في ذهن كل واحد منهما ليختارا صورة واقعية تجبرهما على تعلم الحياة المشتركة أو تجرهما للتعود عليها بكل مافيها من إيجابياتهما وسلبياتهما، والأفضل من ذلك القناعة الذاتية ببعضهما.
فاكس: 8330138-03 ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com