أكد الداعية الإسلامي المعروف عبد الله بن محمد بن حسن فدعق أن خلاف الصوفية مع السلفية شكلي وليس جوهريا وأن وجود المذهب الشيعي والإسماعيلي والزيدي هودليل عافية وطريق لإعمال الفكر السليم. ويرى في حوار شـامل أن مما يؤسف له أن البعض يرى أن الصوفية عار ويفسرها على غير ما كانت عليه مع أن التصوف هوتطبيق عملي للإحسان الركن الهام من أركان الدين. فإلى نص الحوار :
ذكرتم في غير مرة أن الصوفية هي الإحسان وعند مراجعة كتب المتقدمين من علماء الصوفية لا نجد هذا التعريف فهل هواجتهاد خاص منكم أم قول معاصر عند الصوفية ؟
- نعم حقيقة التصوف أنه تطبيق عملي للاحسان ذلك الركن الثالث والهام من أركان الدين، وهوأي التصوف مظلوم مجهول، وللأسف هناك من جعله من صفات الذم. هناك من يقول عنه ما يقول، مع انه ينقل كلام الصوفية في خطبه وعلى المنابر، فيقول قال الفضيل، وقال الجنيد، وقال المحاسبي، وقال الحافي، وقال البسطامي...وهؤلاء هم أئمة التصوف وأركانه، الحواري يقول : من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهوباطل . وأبوحفص الحداد يقول: من لم يزن أفعاله وأقواله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال . والنوري يقول: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه فإنه مبتدع، فهل بعد هذا من كلام !
حصرتم الخلاف بينكم وبين السلفيين بالتوسل والسلفيون يقولون إن التوسل وهوقول الداعي : اللهم أني أتوسل إليك بنبيك، من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف وفيها خلاف بين السلفيين أنفسهم إذا كان الأمر كذلك فأين الخلاف بينكما؟
ـ لنتفاهم أولا عن مفهوم التوسل ثم نتحاكم، التوسل اعتزاز وتوسط وهوأحد طرق سؤال الله تعالى ووسيلة للتقرب إليه لأن الله هوالمقصود الأصلي ومن لم يعتقد ذلك لاشك أنه مشرك . فالمتوسل محب لمن توسل به ومعتقد أن الله يحب وسيلته، ومع هذا أقول إن من اعتقد أن الوسيلة تنفع وتضر بنفسها أيضا مشرك، ثم إن التوسل ليس أمرا لازما أوضروريا، والأصل ( أدعوني استجب لكم)، وخلافنا مع غيرنا في التوسل هوفي غير التوسل بالعمل الصالح.
ما نوع هذا الخلاف؟
- هوخلاف شكلي وليس بجوهري، فمن قال اللهم إني أتوسل إليك بنبيك ما قالها إلا لأنه متعبد ربه بعمل مقدس وهوحبه صلى الله عليه وسلم، والأدلة والشواهد كثيرة جدا على مسائل التوسل، فقد روى البخاري أن سيدنا أبا هريرة شكا للنبي صلى الله عليه وسلم النسيان مع أن المذكر هوالله تعالى ولم ينهره ولبس القميص الذي دعا له فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البخاري أيضا أن أعرابياً طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بنزول المطر وأجابه، وليس الأمر مبنيا على حياة الوسيلة أوموتها، لأن الحي لا يمكنه فعل أمر من الأمور استقلالاً بذاته، ومن قال بخلاف ذلك أشرك، يا أخي الناس الآن يتوسطون عند الفضلاء بتوسلهم بالموتى، فيذهب أحدهم لفلان ويقول له أنا ابن صديقك فلان رحمه الله، وحاجتي عندك كذا وكذا .
مما ينقل عنكم أن عدم المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم لا تعني عدم المحبة فما قولكم في قول ذي النون المصري من متقدمي الصوفية :(من علامات المحب لله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه)؟.
- المحب متبع صادق، قد يسبقه قدره إلى معصية معينة، الحكم عليه بعد التلبس بمعصية يجعله مستمرا عليها، وحبه في آخر المطاف سيجبر ما نقص منه، وحديث (لا تلعنوه فانه يحب الله ورسوله) مقدم على كلام، ويؤكد أن المحبة ستثمر عن إتباع تام.
انحسار المذاهب
هل اختلفت المذاهب الأربعة بما فيها المذهب الحنبلي ؟ وهل هوموجود؟
نعم المذاهب تكاد تختفي حتى المذهب الحنبلي الموجود منه غالباً رأي واحد والسبب في ذلك عدم إعطائها الفرصة في الخدمة والبروز وإثبات وجودها.
وما رأيكم فيمن يقول ان مذهبي محمدي ؟
- أصاب بالدهشة لأنه قال ضمناً ان بقية المذاهب ليست محمدية والحقيقة أن جميع المذاهب مستقاة من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا يلغيها إلا من وصل إلى مرتبة الاجتهاد أوأراد أن يوصل للأمة مذهباً جديداً
وكلهم من رسول الله ملتمس
رشفا من البحر أوغرفاً

نحن بأمس الحاجة لتفعيل ثقافة الحوار لأجل حفظه من الفوضى
ما صح ان يكون معجزة لنبي صح ان يكون كرامة لولي
كل المذاهب الفقهية تكاد تختفي والتعددية دليل العافية
لكل شخص الحق في اتباع المذهب الذي يختار شرط ان يعترف بالآخر
ليس في الدين جزء محلي وآخر دولي والزندقة تهمة من لا تهمة له

من الديم
حقيقةً كيف تنظرون للمذاهب الشيعي والإسماعيلي والزيدي؟
- وجود هذه المذاهب دليل عافية وطريق لإعمال الفكر السليم وبالتأكيد لدينا اختلافات في العقيدة لكننا في الفقه لا نختلف مطلقاً لأن الفقه هوالاستنباط والكل يشتركون في هذا الحق ومطلوب أن يبقى كل صاحب مذهب على مذهبه وأن يتوقف صاحب المذهب عن دعوة غيره إلى مذهبه.
أين تقع خلافات العلماء هل هي ضمن دائرة التصالح والتسامح أم ضمن دائرة التباغض والإنكار ؟
- أتمنى أن تكون ضمن دائرة التصالح لأن المستقبل هوالذي يتحدى الجميع، يجب أن يكون هناك تشخيص للواقع واستشراف للمستقبل فنحن بحاجة للتعاون والتعاضد والمجتمع السعودي متنوع لدرجة الدهشة وهوالأمر الذي يجبرنا على أن تكون الخلافات ضمن دائرة التصالح وهوما أتمناه حقيقةً .
مسألة الإفتاء
برأيكم من يحسم قضايا الإفتاء في ظل تعدد مصادر الفتاوى؟
- يجب أن يكون الحسم عن طريق العلماء المصرح لهم بالإفتاء وهم رموز وقامات علمية يجب على الجميع الاعتراف بحجمها، وفي المقابل يجدر بهم حفظهم الله أن يحسنوا المناخ المحيط بهم ويجعلوا الناس تقتنع بكلامهم وتؤيدهم وعليهم أن لا يحصروا الفتوى في رأي واحد، والحقيقة تكون دائماً عند من يظن أن بيده الحقيقة،
لكن البعض يرفض اتباع الفتاوى الدينية أوالنصائح الموجهة من بعض المشايخ أوالدعاة على اعتبار انتسابهم إلى مذهب معين مع أن الكتاب والسنة هي مرجع جميع المذاهب . فما تعليقكم على هذا؟
- نعم الكتاب والسنة مرجعان لجميع المذاهب ولابد أن نعي شيئا مهما جدا وهوأن الفقه هواستنباط الأحكام من خلال الكتاب والسنة كما ذكرت، فالبعض يرفض اتباع فتوى مذهب معين وله الحق في ذلك وفي المقابل أيضاً لا يحق له إلزام الآخر بمذهب ما، فلكل شخص الحق في اتباع المذهب الذي يريحه ولكن مع الاعتراف بكل المذاهب الأخرى، فصهر المذاهب الفقهية كما ذكرت في مذهب واحد أوصهر الآراء كلها في رأي واحد يعتبر أمرا غريباً جدا ً، ويجب أن نتبنى مدرسه الفقه الإسلامي التي تحقق أهداف النصوص القرآنية وأهداف النصوص النبوية فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال فيما رواه البخاري وغيره «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فئة أصرت على صلاة العصر في بني قريظة وفئة أخرى أسرعت في الخطى لتصل لبني قريظة قبل العصر وأقرهما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لأنه احترم اجتهادهما، والخليفة سيدنا عمر بن الخطاب تعامل مع النصوص الشرعية تعاملات مرنة فالرسول صلى الله عليه وسلم بنص القرآن أباح للمسلم أن يتزوج من نساء أهل الكتاب وكذلك سيدنا أبوبكر الصديق وظل الأمر كما هوفي أوائل عهد سيدنا عمر بن الخطاب إلى أن وجد أن فتيات المسلمين عوانس فجمع مجلس الشورى لديه واتخذ قرارا بعدم زواج المسلم من كتابية وذلك للمصلحة العامة للمسلمين ولا نقول إن سيدنا عمر عطل النص القرآني بل تفاعل معه بما أوتي من حكمة وعلم، فالفقه يعني الفهم وهوما ينطوي عليه علم مقاصد الشريعة الإسلامية والمقصود منه هوتبسيط المفاهيم للمسلم العادي قبل المسلم المتخصص وأن تخرج هذه المصطلحات الشرعية من الجمود .
دين محلي.. ودولي
لكم رأي في عفاف المرأة ... أين تحصرونه ؟
- عفاف المرأة لابد أن يشتمل على حيائها واستقامتها، أما تغطية الوجه فبغض النظر عن قناعاتي أقول للإنصاف إن هناك خلافا فقهيا قديما جداً في هذه المسألة، هناك من يرى أن الحجاب يعني النقاب وغطاء الوجه، وهناك من يراه في تغطية الشعر ولا يلزمها بغطاء الوجه ويجعل الأمر محددا بوضعها للزينة على وجهها، أوإذا كانت تثير الفتنة . والمصيبة الكبرى أن نقول إن هذا الرأي يصلح لمن هم داخل البلاد لا خارجها أوالعكس، وكأن الدين الإسلامي في هذه المسألة فيه جزء محلي وآخر دولي.
يردد كثير من المتصوفة أن التصوف مشتق من الصوف وأن الصوف شعارهم يفضلونه إيثارا للآخرة ورغبة عن الدنيا ونحن اليوم لا نرى المتصوفة يلبسون الصوف بل لا نرى لهم اختصاصا بمزيد من الزهد، كما أن جمعا من أئمة التصوف يرفضون هذا التفسير ويقولون التصوف أمر آخر غير الزهد منهم السهروردي صاحب عوارف المعارف وعبد الحليم محمود والتفتزاني شيخ مشايخ الطرق الصوفية فما رأيكم ؟
-الناس هم الذين سموهم الصوفية بسبب لبسهم للصوف، وهم ما لبسوه إلا لأنهم وجدوه يتوافق والزهد الذي يناسبهم، وعموماً الزهد لا يتعارض مع أن تري ربك أثر نعمته عليك، وأن يكون المال في يديك ولا يدخل قلبك فيفسده .
ما هوتفسيرك لظاهرة اتهام كثير من أئمة التصوف بالزندقة منذ ابتداء التصوف وعبر القرون التالية كالبسطامي وذي النون المصري والنوري والشبلي والحكيم الترمذي وابن عربي وهل لهذه التهم ما يبررها ؟
-رحم الله جميع من عددت، والزندقة هذه الأيام تهمة من لا تهمة له مثلها مثل تهم كثيرة جاهزة لرمي الناس بها مثل العلمانية والليبرالية والوهابية والإرهاب وغير ذلك نسأل الله أن يزيننا بالحكمة ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) .
هل تدافعون عن أقوالهم ؟
- الميزان في المدافعة عنهم وعن غيرهم رحمهم الله هوماذكرته لك من كلامهم سابقاً، فميزان الأقوال والأفعال هوالكتاب والسنة، والحد الفاصل هوالعلم الشرعي الذي لا ابتداع فيه، يقول أبوالقاسم الجنيد : من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة .
نشعر في المجتمع الإسلامي بتصنيف العلماء حسب اعتبارات المظهر فبماذا تفسر هذا الفصل وكيف يمكن معالجته من وجهه نظرك ؟
- هذا التصنيف لا يخدم المصلحة العامة مطلقاً ومن الأشياء الجميلة التي يجب أن تكون في المجتمعات الإسلامية التنوع، وإحياء روح التنوع أمر مطلوب والخطورة تكمن في وجود بعض الناس الذين لا يريدون التنوع وبالتالي لا يحبون الخير لهذه البلد أوللأمة، فهناك أفراد يحاولون من خلال التصنيف خندقة الأفراد وعسكرتهم بطريقه غير مباشرة، كما أن عدم احتواء الاختلاف أوالسماع لجهة واحدة فقط شر، ومما يحمد لبلادنا المباركة وقيادتنا الموفقة تشجيعها للحوار من خلال اللقاءات الفكرية التي أقامتها وتقيمها بين الفترة والأخرى، ونحن في حاجه لتفعيل ثقافة الحوار لأجل حفظه من الفوضى ومنع الكراهية بين الناس وبعكسه سينتج الإفساد والإرجاف والإرهاب ونحن في حاجة لمقارعة الحجة بالحجة وأن لا نوجه سهامنا على بعضنا البعض فالأمة الإسلامية تعاني وهمومنا كبيرة ويجب التفرغ لهذه الهموم بدلا من هذا التصنيف المقيت.
الكرامات
الكرامة ثابتة للصالحين باتفاق الأمة لكن هل للمسلم أن ينتظر أن تأتيه الكرامات ؟ وكيف نفرق بين الكرامات والخوارق الشيطانية؟.
- المذهب الصحيح في الكرامات هوأن ما صح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي، والصالحون لا يفرحون بها ولا ينتظرونها، وحياتهم مبنية على الخوف من الله والرجاء منه في قبول أعمالهم، ودائما يقولون الاستقامة خير من ألف كرامة .
ما رأيكم بمن يقول ان النبي صلى الله عليه وسلم يرى يقظة اعتمادا على ما ورد في البخاري: ( من رآني في المنام فسيراني يقظة )ولم يرد عن أحد من الصحابة أنه راى النبي يقظة مع مسيس حاجتهم إلى ذلك في مواقف مثل موقعة صفين والجمل وغيرها من الحوادث؟ المسألة محل خلاف، والإمام ابن حجر نقل ثمانية آراء في هذا الموضوع، وللإمام السيوطي رسالة مشهورة بهذا الخصوص، وهذا التنوع يسع الجميع بكل اعتقاداتهم، وصحة دين الإنسان لا تتوقف على هذا الأمر، والناس كل الناس في أمس الحاجة لمعالجة ما يمس حياتهم اليومية، وليس لمزيد من إشاعة الخلافيات الفرعية الدقيقة .
الصوفية ليست عاراً
كثيراً ما نسمع كلمة صوفية ... لجيل اليوم ماذا تعني الصوفية الحقيقية ولماذا نشعر برفضها من الكثير ؟
-الصوفية هي دعوى وأدعياؤها كثيرون جدا وقد دخل فيها ما ليس منها، وهناك ما يدخل في الشيء وهوليس منه، فقطع رأس الذمي الذي ذكرته سابقاً ووضعه في ثلاجة مثلاً حدث باسم الإسلام والدين لا يقره، والصوفية التي أعرفها هي التزكية وهي طريق علاج أمراض القلوب وأكرر أنها التطبيق العملي لمدرسة الإحسان الذي يعتبر الركن الثالث من أركان الدين الأربعة الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات القيامة كما جاءت في حديث سيدنا جبريل المششهور ، والإحسان هوأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فأنه يراك، وهوأن لا يفتقدك الله حيث أمرك وأن لا يجدك حيث نهاك، وبحمد الله الآن يدرس علم التزكية في معهد الحرم المكي الشريف، ودائما مشكلتنا تكمن في المسميات كالقانون أوالأنظمة، والصوفية ليست مذهبا فقهيا والصوفية ليست عارا بل هي شرف وأي شرف فهي خليط من عدم الرياء وعدم العجب وحب التواضع والإحسان إلى الناس والمحافظة على أعمال الشريعة هذه هي الصوفية التي أعرفها ولا أعرف غيرها.