يحتاج أي مرض اجتماعي، ظاهر أو باطن، قائم أو متوقع، عند التوجه للوقاية منه أو لمعالجته التوجه إلى نواته الأولى وهي الأسرة. والعنف الجنائي والاجتماعي ظاهرة تعاني أغلب المجتمعات في عصرنا الحاضر منها، وكذلك ظاهرة العنف الأسري التي تعتبر بعض المجتمعات متقدمة في محاولاتها التنظيرية والعملية في خوض التجارب ميدانياً للوقاية والمعالجة، وبخاصة المجتمعات المصطبغة بالمؤسسات المدنية والعمل الجمعي والديمقراطيات التوافقية. بينما مجتمعات أخرى لاتزال تتلمس خطواتها الأولى في هذا المجال. وإذا أرادت المجتمعات الإسلامية والعربية أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، عليها قراءة تلك المحاولات والاستفادة منها، سواء بمحاكاة لأفضلها كنماذج ناجحة أو بتطوير تجاربها وفق تحليل لنقاط قوة وضعف تلك المحاولات، وقد أخذ بعضها طريقه عملياً إلى هذه المجتمعات كالمغرب ومصر والأردن ولبنان وقطر والكويت... الخ.
منها الوسائل الوقائية والعلاجية لمواجهة ظاهرة العنف الأسري كوجود مكاتب للتوجيه والإرشاد الأسري تقوم مقام الوقاية النفسية والعلاج النفسي للأسرة وأفرادها الذين يحتاجون إلى يد تأخذهم نحو توقي مقدمات ودوافع وأسباب العنف أو نحو معالجة تبعاته وآثاره... والسلم الأسري لن تكون له فرص للنجاح دون انتشار هذه المكاتب في كل تجمع سكاني مدني أو ريفي... لأنها لا تستهدف وقاية ومعالجة الأسر

وجود مكاتب للتوجيه والإرشاد الأسري تقوم مقام الوقاية النفسية والعلاج النفسي لأفرادها

من ظاهرة العنف فقط، وإنما هدفها تحسين العلاقات الأسرية وتنميتها وإعادتها إلى أصولها الفطرية كالحب والاحترام بدلاً من التوتر والصراع والقلق التي تسعى برامج التوجيه الأسري للتخفيف من حدتها كلما وقعت في كل مرحلة عمرية من دورة حياة الأسرة.
وتعمل هذه المكاتب إما بصورة أهلية أو رسمية، وقد تعمل بطابع تجاري ربحي أو غير ربحي، وأصبحت من المؤسسات الاجتماعية المهمة، لأنها تعمل على دراسة المشاكل التي تنشأ عن العلاقات بين أفراد الأسرة وتعين عملاءها على مواجهتها ومعالجتها، ومثل هذه الرعاية أساسية وضرورية كخدمة وقائية وعلاجية لتلك المشاكل، وتقوم بالتوجيه الزواجي للزوجين أو أحدهما قبل وأثناء الزواج، بالتوجيه الأسري للوحدة الأسرية كاملة، أو بتوجيه فرد من الأسرة ليصب في وقاية الأسرة كلها، أو بالتوجيه الجماعي لمجموعة من الأسر.
هذه المكاتب تعمل أيضاً بمثابة المستشار القانوني والنفسي للأسرة، وتارة بمثابة طبيب الأسرة وموجهها، ولهذه الاعتبارات وأهميتها لجأت بعض الدول والمجتمعات لايجاد خط ساخن – هاتفياً – يعمل على مدار الساعة، قد يكون جزءاً من مكاتب التوجيه الأسري أو منفصلاً عنها، بحيث يتمكن المواطن من الاتصال بها والاستفادة من توجيهاتها القانونية والنفسية، قبل وقوع المشاكل والعنف، أو عند وقوعها، لاسيما النساء والأطفال عندما يكونون ضحايا العنف الأسري.... والخطوط الهاتفية الساخنة هي صلة الوصل بين هؤلاء الضحايا والجهات القادرة على مساعدتهم وتقدم لهم النصح والتوجيه الفوري... وتتلقى المدن الأمريكية التي تتوفر فيها هذه الخدمة يومياً مئات المكالمات... ومع مرور الأيام تتحول هذه الخطوط إلى مراكز استماع وتوجيه نفسي وقانوني لكل الأسر.
من المهم الإشارة إلى اختلاف طبيعة وظائف مكاتب التوجيه الأسري وفق النسق الاجتماعي في البلد المراد تأسيسه فيه، لذا نجد أن وظائف هذه المكاتب في نيويورك مثلاً ولوس أنجلوس مختلفة عنها في الأردن... أما في الأهداف العامة والبرامج المفترض اتباعها فيها فهي شبه متطابقة، كتدريب وتعليم الأسرة، ومحاولة تحقيق الانسجام والتوازن بين أفرادها، وتقوية القيم الأسرية، ومهارات التواصل وحل المشاكل، والتقليل من العنف بين الشباب، ودورات المقبلين على الزواج والتعرف على الوظائف الجنسية للفرد. لذلك تكون البرامج المقدمة من هذه المكاتب عادة تدور في محاور ثلاثة وهي البرامج الوقائية والبرامج التعليمية وبرامج تأهيل وإعادة إصلاح.
ولأهمية الأدوار التي تقوم بها هذه المكاتب فإن مواصفات الشخصيات العاملة فيها ينبغي أن تمتاز بالحيادية والأمانة والاختصاص والألفة والصدق والدقة.... والأمر ذاته على مستوى الجامعات والدراسات العليا حتى يكون لدينا مجموعات مختصة بهذا المجال الحيوي والأساسي.
فاكس: 8330138-03 ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com