العراق يُدمَّر.. «وفخامته قلق»
لابد من الاعتراف بأن الشعب السعودي عامة معجب بالشعب الأمريكي وإنجازاته التكنولوجية والعلمية في جميع المجالات. كما أن أكثر من مائة ألف من الرجال والنساء السعوديين قد أتموا دراساتهم الجامعية في مختلف الشعب والمهن العلمية والفنية في الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء جميعاً قضوا بعضاً من أجمل أوقات حياتهم في أمريكا، حيث احتضنهم الشعب الأمريكي وعاملهم أطيب معاملة إلى درجة أن نسى هؤلاء الطلبة السعوديون غربتهم وشعروا وكأنهم في بلدهم الثاني وبين أهاليهم. نحن لا ننسى كيف فتح لنا المواطنون الأمريكيون أرقى جامعاتهم لندرس بها، وفتحوا لنا أبواب منازلهم لنشاطرهم طعامهم وشرابهم وطريقة حياتهم. لن ينسى السعوديون جميل الشعب الأمريكي وطيب عشرتهم التي أبدوها لأبنائهم أثناء إقامتهم ودراستهم هناك، ولا يمر عام أو إثنان إلا ويأخذ الحنين هؤلاء الطلبة القدامى مرة أخرى إلى أمريكا لاستعادة الذكريات وقضاء فسحة من الوقت في تلك البلاد الساحرة.
لهذا كله يشعر هؤلاء السعوديون الآن بالمرارة لما يصدر من قبل الإدارة السياسية لذلك البلد العظيم الذي احتضن أبناءهم وأحسن معاملتهم أثناء دراستهم هناك. فلا أمريكا، ولا الشعب الأمريكي الطيب، يستحقون هذه الإساءة إلى صورتهم بسبب رعونة وغطرسة الإدارة السياسية أو بعض القادة السياسيين، أو نتيجة تأثير اللوبي الصهيوني المتسلط على بعض أجهزة الحكم والإدارة الأمريكية.
بالأمس القريب فقط، أبدى الرئيس بوش « قلقه»

لايهرب الإنسان من حياته إلا إذا سدت أمامه كل الطرق وفقد عقله وحواسه من القهر والاضطهاد

للانتحار المزعوم لثلاثة من الشباب المعتقلين في السجن كريه السمعة «جوانتانامو»، اثنان منهم سعوديان والثالث من اليمن. ومع شكوكنا في مدى مصداقية الخبر ،وهل هم انتحروا بالفعل أم قتلوا على أيدي سجانيهم ومعذبيهم بدون محاكمة عادلة وربما أيضاً بدون ذنب، فالأمر سيان. لايهرب الإنسان من حياته إلا إذا سدت أمامه كل الطرق وفقد عقله وحواسه من القهر والاضطهاد.
ولكني أقترح محاكمة هؤلاء الضحايا الثلاثة غياباً، إذ كيف سمحوا لأنفسهم بإصابة فخامة الرئيس بالقلق(!) فقد أفسد عليه ذلك (القلق)فنجان شاهي بعد الظهر.
العالم أجمع، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الأمريكية نفسها، وأعداد هائلة من المواطنين الأمريكيين بل وغالبية أعضاء الكونجرس يطالبون جميعاً بقفل ذلك السجن المشؤوم (جوانتانامو) وإعادة جميع المعتقلين إلى أوطانهم، وفخامة الرئيس بوش «قلق» لمقتل ثلاثة من ضحايا ذلك السجن اللعين !! مجرد قلق.. لا أكثر ولا أقل. لا عجب في أن شعبيته قد تدهورت داخل أمريكا وفي العالم كله إلى أدنى شعبية لأي رئيس أمريكي سابق، أو أي رئيس دولة آخر على قيد الحياة.
مناظر التعذيب البشعة والإذلال اللاّ إنسانية، التي تسيء إلى السجان قبل أن تسيء إلى الضحية في سجون جوانتانامو وأبوغريب، والتي يرفض المواطن الأمريكي البسيط أن ترتكب في حق كلبه أو قطته أو أي حيوانات أليفة يربيها في منزله، أدمت قلوب كل من شاهدها، وأثبتت أن بعضاً من البشر يمكنهم أن يصبحوا أكثر وحشية وقسوة وهمجية من أشرس الحيوانات. تلك المناظر أعادت إلى أذهاننا ماكان يفعله قياصرة الرومان عندما كانوا يلقون بضعفاء المساجين والمعتقلين العزّل في ساحة الصراع غير المتكافئ مع الأسود والنمور والوحوش البشرية، ليتفرج القياصرة وحاشيتهم ويتسلى بقية الدهماء والغوغائية من شعبهم.
ثم أخيراً وقبل يومين فقط طالب الرئيس بوش جميع الدول المجاورة للعراق لبذل المزيد من الجهد والمال لإعادة إعمار العراق.. هل يمزح ؟
شيء مسلٍ بالفعل، الرئيس بوش يهدم العراق على من فيه ويدمره، وعلينا نحن العرب أن نأتي بعده فنعيد إعماره.. ثم يأتي هو مرة أخرى و.. هكذا مثل لعبة (الأستغماية).
يعلم التاريخ أن الذي دمر العراق وهدمه وغزاه دون سبب (معقول أو غير معقول) هو فخامة الرئيس وماكينته الحربية التي يقودها رامسفيلد. إذاً عليهم هم وحدهم فقط تقع مسؤولية إعمار العراق. ولكنهم للأسف.. لا يزالون مستمرين في الهدم والتدمير. فإذا كان صدام حسين قد أخر تطور الأمة الإسلامية لخمسين عاماً بسبب حربه مع إيران ثم غزوه للكويت، فإن الإدارة الأمريكية الحالية قد أخرت إنماء العراق وتطور الأمة العربية لأكثر من خمسين عاماً بسبب غزوها وتدميرها للعراق.
يبدو أن الأمر مسلٍ جداً لهذه (البشكة)، وسيبقى كذلك لمدة عامين وخمسة أشهر وتسعة أيام وخمس عشرة ساعة.. (الله يعديها على خير).