«إنه لشرف عظيم أن أكون مواطنا قبل أن أكون مسئولا وشرف كهذا كلنا شركاء فيه ونفخر به مهما تباعدت بقاعنا الجغرافية أو تعددت جذورنا أو اختلفت مذاهبنا.. لا جديد في علاقة الأخ بإخوته ولا إضافة لرابطة الأب بأبنائه ولا تطور في حبي وانتمائي لكم فانتم الأهل والعزوة لكني جئتكم بشوق العين لرؤيتكم ولهفة القلب لكم وإلحاح النفس لسماعكم فكلي آذان صاغية» من كلمة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى المواطنين في المنطقة الشرقية حين زارها (عندما كان ولياً للعهد) في شهر ذي الحجة 1419هـ.
بسعادة غامرة رحب كافة مواطني المنطقة الشرقية على اختلاف مكوناتهم ومنحدراتهم الاجتماعية والمناطقية والمذهبية ومشاربهم الفكرية والثقافية بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله) وهم إذ يرحبون بمقدمه فإنهم يأملون أن تكون هذه الزيارة كعهده دائما إضافة خير وبركة على طريق التنمية والتطور والعزة والمنعة للشعب والوطن، حيث من المتوقع أن يلتقي بالمواطنين والمسئولين ويدشن العديد من المشاريع الصناعية والإنمائية والخدماتية. هذه الزيارة مثلت حدثا هاما وبالغ الدلالة لدى كافة المواطنين في هذا الجزء الغالي من بلادنا وذلك للأسباب التالية:
أولا: إنها الزيارة الأولى للمنطقة بعد تسلم الملك عبدالله بن عبدالعزيز ولاية الأمر اثر وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله) وبالتالي هي مناسبة وطنية لتجديد الولاء وتأكيد الالتفاف الشعبي حول الملك المصلح والصالح الذي منحه الشعب كل الحب والوفاء وعقد آماله عليه وتلمس عمق التزامه الصادق بمصالح الشعب والوطن وانحيازه وتعاطفه مع المستضعفين والفقراء والفئات الشعبية وقيادته

هذه الزيارة مثلت حدثا هاما وبالغ الدلالة لدى كافة المواطنين في هذا الجزء الغالي من بلادنا

لمسيرة الإصلاح والبناء والتنمية.
ثانيا: الأهمية الجيو- اقتصادية الضخمة التي تمثلها المنطقة التي تحوي (26%) اكبر احتياطي من النفط الثابت وجوده في العالم، كما تحتل الصدارة في العالم على صعيد إنتاجه وتصديره ويمثل المصدر الأساسي لموارد الدولة والميزانية والتصدير والدخل الوطني الإجمالي ويشكل الركيزة الأساسية لخطط التنمية الشاملة بما في ذلك التنمية الاقتصادية– الصناعية.
ثالثا: الأهمية الجيو –سياسية إذ تمثل المنطقة الشرقية عصبا حساسا من النواحي الاقتصادية والجغرافية والسياسية والأمنية ولكونها على تماس مباشر مع أوضاع مضطربة وغير مستقرة في منطقة الخليج التي تحكمها تجاذبات إقليمية ودولية حادة من بينها تداعيات سقوط النظام العراقي وعدم استقرار أوضاع العراق الداخلية وتصاعد أعمال العنف والإرهاب فيه وتعمق الاستقطاب الإثني والطائفي والديني والذي ينذر بالانحدار إلى حرب أهلية شاملة ومدمرة قد تمتد وتطال آثارها وتداعياتها دول الجوار ما لم يتوصل الفرقاء المتصارعون إلى حل واقعي يلبي مصالح كافة الأطراف..
رابعاً: منطقة الخليج لم تشهد استقراراً وهدوءاً على مدى ربع القرن المنصرم ونذكر هنا أزمتي الخليج الأولى (1980–1988) والثانية (1990- 1991) اللتين ألقتا بظلالهما على دول المنطقة بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية علما أن «مجلس التعاون» الذي تشكل في 25 مايو 1980 وضم المملكة العربية السعودية والكويت وعمان والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة، ولأسباب سياسية وأيدلوجية وأمنية أيد ودعم العراق في الأزمة الأولى في حين كانت دوله ضحية لعدوان نظام صدام حسين في الأزمة الثانية حيث احتل دولة الكويت وشكل تهديدا مباشرا للمنطقة الشرقية وبقية الدول الخليجية وهو ما كلف دول المنطقة متطلبات والتزامات مالية وعسكرية وأمنية ولوجستية ضخمة لتأمين مستلزمات الدفاع عن دول المنطقة (بالتعاون مع التحالف الدولي) وتحرير دولة الكويت إذ بلغ ما انفق على قطاع الأمن والدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي بين العامين 1992- 1997 أكثر من 175 مليار دولار أما الإنفاق العسكري على السلاح فقد ارتفع من 21,20 مليار دولار عام 85م إلى 31,85 مليار دولار عام 1999 في حين قدرت الخسائر الناجمة عن حربي الخليج الأولى والثانية وتذبذب أسعار البترول بنحو 600 مليار دولار وكل ذلك شكل عبئا كبيرا على الموازنات العامة حيث عانت معظم دول المنطقة من عجوز مزمنة استمرت سنوات إلى جانب تدني معدلات النمو وتزايد الدين الداخلي والخارجي
خامسا: الوجود العسكري الأمريكي والدولي الكثيف في العراق ومياه الخليج وبعض دول المنطقة والتجاذبات الإقليمية والدولية فيها، والمخاطر الناجمة عن المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة (حول العراق ولبنان وسوريا وفلسطين والموضوع النووي )وإيران والتي تنذر في حالة اندلاع أي نزاع بينهما بأفدح العواقب على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. إذا هذه الزيارة التي يقوم بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمنطقة الشرقية في هذا التوقيت تكتسب مضامين ودلالات داخلية وإقليمية مهمة ينبغي التوقف عندها في ضوء رؤية الملك عبدالله بن عبدالعزيز الإستراتيجية الشاملة على الصعيد الداخلي وخصوصا ما يتعلق منها بالمشروع الإصلاحي الذي يقوده، وكذلك تصوره لآفاق العمل الخليجي المشترك وسبل تعزيز الوحدة الخليجية، وإزاء كل ذلك تتجلى الشفافية والمكاشفة والصراحة والصدق التي يتميز بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله... وللحديث صلة.