السمن .. صانع العصي:
رغم أن مهنته شارفت على الأنطفاء وغاب بريقها وكادت تذوي في دهاليز النسيان الا أن علي أحمد السمن صانع العصي لايزال يتكئ على «هراوة» صلبة ويمسك بجذوة مهنته في زمن انتهت فيه صولة العصا وبقيت كجزء من تراث الأمس.
في سوق الخوبة تتوكأ على «عصا» الفضول وأنت تبحث عن دكاكين الحرفيين..
ووهج الأمس الذي يقاوم صلابة رياح النسيان..
تستوقفك الكثير من الحرف ولكن تشدك بصورة مغايرة بسطات ودكاكين العصي..
وفي تلك اللحظة تتذكر أنك نلت «علقة» ساخنة في الزمن البهي من قبل والدك ولازالت آثارها باقية على جسدك فلا تمتلك غير أن تضحك في سرك. فيسترعي إنتباهك صوت مشروخ قادم من زاوية في السوق وهو يدعوك لمشاهدة تشكيلات العصي فيقدم لك نفسه كأشهر صانع للعصي في سوق الخوبة.
وفاء للمهنة
يقول علي أحمد السمن مهنتي شاقة وعفا عليها الزمن لكني لازلت وفيّاً لها رغم أن الكثيرين هربوا من هذه الحرفة الى مجالات أخرى لكسب الرزق.
علاقة وثيقة
ويستطرد: أشعر أن هناك

لازلت وفيّاً لمهنتي المنقرضة
البعض يستخدم العصا كتراث

علاقة وثيقة تربطني بصناعة العصي وتشكيلاتها. منذ طفولتي تعلّمتُ هذه الحرفة وظلّت تجري في عروقي، رغم أن وهن العظيم وأمراض الشيخوخة لم تعد تساعدني على المشي في التضاريس الوعرة من أجل قطع الاغصان والعودة بها الى السوق.
وعن كيفية تجهيز الاغصان الطرية قبل تحويلها الى عصي قال: بعد قطع الاغصان اضع عليها كمية كبيرة من الحجارة لأصلاح اعوجاجها. ويتطلب هذا العمل خمسة أيام. وبعد ان تجف الأعواد احملها الى السوق حيث أقوم بتسويتها على أشكال مستقيمة حسب الاحجام، بحيث تكون في مقدمة كل عصا عقدة كبيرة.
أسماء العصي
وفيما يتعلق بأسماء العصي قال: لها أسماء كثيرة. منها: الصميل والهراوة والمكبعة والسوط، اضافة الى أسماء أخرى. وكل نوع له سعر.
فمثلاً الصميل يتراوح سعرها بين 10-15 ريالاً، والسوط من 5-10 ريالات وهذا الأخير هو أصغر أنواع العصي.
ويضيف لم تعد صناعة العصي مهنة مربحة كما كانت في السنين الخوالي، وهي حالياً تعاني من الكساد وزبائنها من كبار السن ويندر أن يأتي شاب لشراء هراوة أو صميل.
فالعصا كانت من مستلزمات الوجاهة في الماضي وكل الرجال كانوا يحملونها معهم..
لكنها في الوقت الحاضر وسيلة يتكئ عليها كبار السن أو يحملونها للدفاع عن النفس في الطرق الموحشة، أو لصد الثعابين والحيوانات المفترسة. كما يستخدمها الرعاة في «الهش» على الاغنام والأبل {وأهشُ بها على غنمي».
وعن ما إذا كان يفكر في ترك هذه المهنة قال:
لا أفكر في ذلك رغم أن دخلها ضئيل للغاية لأنها أصبحت تجري في عروقي وبيننا عشق قديم.
وتابع: قبل عدة أيام جاءني عدد من الشباب لشراء مجموعة من العصي وكانوا مصدر استغراب من حولي وقد سألتهم عن سر ذلك، فقالوا إنهم يريدونها كتراث فقط..وبالنسبة لأفضل أنواع الأشجار التي تصلح اغصانها لصناعة العصي هناك الاثل والسلم والسمر، ولكن معظم الزبائن يفضلون عصي السلم لصلابتها.
وفي زحمة السوق الذي كان يعج بالبشر تبحث عن رجل، وهو يحمل في يده عصا فلا تجده وتدرك تماماً ان حرفة صناعة العصي تتوكأ على قدم مبتورة وفي طريقها للانقراض.