خريف العمر
«قردة» اطفأت عينيه
فتوة على بوابة الموت
هاني اللحياني (مكة المكرمة)
في ذروة اتساع اشعة الشمس وعنفوانها الحارق وفي قمة هروب البشر من حرارة الغيظ وتنفس ظلال الاشجار لهيب الصيف ثمة جسم رفض الا ان يكون مواجهاً لأشعة الشمس، التي تخنق الانفاس.
كنت في تلك الظهيرة السابحة في الصمت وأتون الصيف ابحث عن مكان لايقاف سيارتي وفجأة لمحته يجلس على سرير أكل الدهر عليه وشرب بجوار بوابة المعلاة أشهر مقابر أم القرى وقد تناثرت حوله بقايا ادوات يستخدمها في الأكل والشرب فيما كانت هيئته بملابسه الرثة توحي لمن يشاهده كأنه خارج للتو من طقس أزقة الشوارع والاحياء المنسية..في تلك اللحظة اطلقت شهقة مكتومة من اعماقي حيث لم أكن اتوقع ان اعبر في ذلك المكان صدفة واجد رجلاً اعياه الكبر وهدته امراض الشيخوخة وهو يجلس تحت لهيب حرارة الشمس، كان وجهه شاحباً وعيناه غائرتين وشفتاه يابستين الا من بقايا قطرات ماء لم تسلم من حرارة الطقس هي الاخرى.
ورغم هيئته المفرطة في الحزن فقد كانت ذاكرته فولاذية، ولم تفلح رياح وتصاريف الزمن في طمس ملامحها..اقتربت منه والقيت عليه السلام، فجفل بالتفاتة خفيفة كأنه لم يتوقع ان يناجيه احد من بني البشر.
كيف تتحمل حرارة هذا النهار وشمسه الحارقة؟
قلتها وانا احاول ان اقيم معه «حواراً» لكي يفضفض ما في نفسه، بعد آهة عميقة من حنجرة يبست وجفت في اوتارها نغمات الكلام قال: اسمي عبدالله رجب ولدت في حي شعب عامر وعشت بأزقته واسواقه الشعبية وتحديداً بجوار البئر.. واذكر ان أبي قال بانني ولدت في العام (1353هـ) يعني عمري الآن 75 عاماً بالتمام والكمال.
عشت أغلب أيام طفولتي بين بيوت شعب عامر وأزقته التي كانت تضم جيراناً طيبين تربط بينهم علاقة العشرة ولحمة الترابط، كلما تذكرت تلك الأيام تغمرني الدموع واذكر ان أول عمل لي كنت ابيع مع والدي السقطان وهي باقي أحشاء الذبيحة مثل الكرش والكبد في الطائف بباب الريع كان محلنا معروفا يتردد عليها أهل الطائف من بادية وحضر ثم انتقل والدي للعمل في بيع الليمون والفلفل والخضرة لكنه توفي ولكن لم يترك لي ثروة أو حتى بيتا يرحمه الله، واجهت الحياة بمسؤولية وانا في مقتبل العمر كانت الاعمال في الطائف شحيحة ونادرا ما نحصل على عمل مما دعاني الى ان اعود الى مكة للعمل كعامل في شركات نقل الحجاج التي كانت تنقل الحجاج ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة وكان موقعها في حي الزاهر والشهداء وكانت بعيدة عن العمران حتى كنا نخاف من المشي بعد المغرب في تلك المنطقة لم تكن هناك وظائف وكانت لقمة العيش صعبة وأحلامي وأحلام العاملين معنا كانت هي الحصول على مصروف اليوم «وبس» لم نفكر في زواج أو دراسة كل تفكيرنا منصبا على توفير وجبات اليوم الثلاث بعد سنوات من العمل كما يقولون «صبي» بجوار معلم ميكانيكي تعلمت قيادة السيارة في وقت قصير حيث كان قائد السيارة مثل الطيار اليوم كل الناس يحترمونه ويتعجبون كيف يمكن ان يقود السيارة ويحركها.
فقدت بصري
ولكن يا عم عبدالله كيف فقدت نظرك ومتى؟
يا ولدي انا كفيف خمسين عاماً وتحديداً من عام 79 هجري واسبابها اني كنت في الردف واغواني الشيطان ان اشاكس قردة لها مولود صغير كانت تحمله على ظهرها فقمت بأخذ القردة الصغيرة من أمها واخذتها معي الا انها لطمتني على وجهي وبعدها انطفأ النور من عيني واصبحت «ما اشوف» طفت كل المصحات في الطائف لكن للاسف قدر الله ان اعيش بقية حياتي كفيفا صاحبت العصا وهي صاحبتني حتى اصبحت لا استغني عنها يمكن ان استغني عن اشياء كثيرة الا العصا فهي اشبه بولد يقودني ويدلني على الدروب.
الم تحاول البحث عن العلاج؟
تعبت اقدامي من «اللف والدوران» وراء المستشفيات حتى ان مسؤولا «شاف» حالتي وساعدني على مراجعة مستشفى الملك خالد للعيون واجريت عدة فحوصات لكنهم في الاخير اصدورا تقريرا يوضح بانه لا علاج لحالتي وانا احمد الله تعالى على هذا البلاء وصابر ومحتسب ودائم أقول ان هذا خير لي.
من تذكر من اصدقائك؟
كثيرون كلهم ماتوا ومن بقي لم اعد اراهم لكن اذكر من صاحبني في ذروة شبابي غرم الله بن سعدي وسالم باحشوان واحمد باجبع وعلي قرمه ومحمد صالح باجبران.
حياة التجوال
وأين كنت قبل ان تصل هنا الى هذا الموقع؟
قضيت بقية عمري اتنقل من جسر الى نفق ومنها الى حديقة شارع أبحث عن الظل واجري وراء من يساعدني على توفير لقمة العيش «تصدق»!!
لكن لماذا لم تتزوج؟
لقمة العيش «والطرد» وراء اعمال الشقاء التي هدت عمري وانا في وقت كنت من الفتوات.
لكن هل فكرت في ان تدخل دار الرعاية؟
يا ابني انا مرتاح هنا يكفيني ان اشم رائحة الشوارع التي عشت فيها انا احب ان اعيش وحدي بدون قيود.
أضف تعليقك